فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 373

الشهوة وتسلط الطبيعة مع كثرة الحاجة والجهل بالعاقبة، لاثرت فيهم السموم ولأفناهم الخلط ولأجهز عليهم الخبط ولتولدت الأدواء وترادفت الأسقام حتى تصير منايا قاتلة وحتوفا متلفة، إذ لم يكن عندهم إلا أخذها والجهل بحدودها ومنتهى ما يجوز منها والزيادة فيها وقلة الاحتراس من توليدها. فلما كان ذلك كذلك علمنا أن اللّه تعالى حيث خلق العالم وسكانه لم يخلقهم إلا لصلاحهم ولا يجوز صلاحهم إلا بتنقيتهم، ولو لا الأمر والنهي ما كان للتنقية وتعديل الفطرة معنى.

ولما أن كان لا بد للعباد من أن يكونوا مأمورين منهيين بين عدو عاص ومطيع ولي، علمنا ان الناس لا يستطيعون مدافعة طبائعهم ومخالفة أهوائهم إلا بالزجر الشديد والتوعد بالعقاب الأليم في الآجل بعد التنكيل في العاجل. إذ كان لا بد من أن يكون لكونهم مأمورين منهيين من العمل معجلا والجزاء الأكبر مؤجلا، وكان شأنهم إيثار الأدنى وتسويف الأقصى. وإذا كانت عقول الناس لا تبلغ جميع مصالحهم في دنياهم فهم عن مصالح دينهم أعجز إذ كان علم الدين مستنبطا من علم الدنيا وإذا كان العلم مباشرة أو سبا بالمباشرة، وعلم الدين غامض لا يتخلص إلى معرفته إلا بالطبيعة الفائقة والعناية الشديدة مع تلقين الأئمة، ولأن الناس لو كانوا يبلغون بأنفسهم غاية مصالحهم في دينهم ودنياهم لكان إرسال الرسل قليل النفع يسير الفضل. وإذا كان الناس مع منفعتهم بالعاجل وحبهم للبقاء ورغبتهم في النماء وحاجتهم إلى الكفاية ومعرفتهم بما فيها من السلامة لا يبلغون بأنفسهم معرفة ذلك وإصلاحه، وعلم ذلك جلي ظاهر سببه متصل بعضه ببعض كدرك الحواس وما لاقاها، فهم عن التعديل والتجوير وتفصيل التأويل والكلام في مجي ء الأخبار وأصول الأديان أعجز وأجدر أن لا يبلغوا منه الغاية ولا ينالوا منه الحاجة. لأن علم الدنيا أمران: إما شيء يلي الحواس، وإما شيء يلي علم الحواس. وليس كذلك الدين.

فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت