شجاعة.
وهذا القول ظاهر على ألسنة الأدباء مستعمل في بيان الحكماء وقد قال عروة ابن الزبير: واللّه إني لا عشق الشرف كما تعشق المرأة الحسناء. وذكر بعض الناس رجلا كان مدفعا محروما ومنحوس الحظ ممنوعا فقال: ما رأيت أحدا عشق الرزق عشقه ولا أبغضه الرزق بغضه. فذكر الأول عشق الشرف وليس الشرف بامرأة، وذكر الآخر عشق الرزق والرزق اسم جامع لجميع الحاجات. وقد يستعمل الناس كناية وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون ان يظهروا المعنى بألين اللفظ إما تنويها وإما تفصيلا، كما سموا المعزول عن ولايته مصروفا، والمنهزم عن عدوه منحازا، نعم حتى سمى بعضهم البخيل مقتصدا ومصلحا، وسمى عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصيا.
ولما رأينا الحب من اكبر اسباب جماع الخير ورأينا البغض من أكبر اسباب الشر، اجتنبنا ان نذكر أبواب السبب الجالب للخير ليفرق بينه وبين أبواب السبب الجالب للشر، حتى نذكر أصولهما وعللهما الداعية إليهما والموجبة لكونهما. فتأملنا شأن الدنيا فوجدنا أكبر نعيمها وأكمل لذاتها ظفر المحب بحبيبه والعاشق بطليبه، ووجدنا شقوة الطالب المكدي وغمه في وزن سعادة الطالب المنجح وسروره، ووجدنا العشق كلما كان أرسخ وصاحبه به أكلف كان موقع لذة الظفر منه أرسخ وسروره بذلك أبهج.
فان زعم زاعم أن موقع لذة الظفر بالعدو المرصد أحسن من موقع لذة الظفر من العاشق الهائم بعشيقته! قلنا: إنا قد رأينا الكرام والحلماء وأهل السؤدد والعظماء ربما جادوا بفضلهم من لذة شفاء الغيظ ويعدون ذلك زيادة من نبل النفس وبعد الهمة وعلو القدر، ويجودون بالنفيس من الصامت والناطق وبالثمين من العروض، وربما خرج من جميع