فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 373

ووجدنا الأئمة ثلاثة: رسول، ونبي وإمام. فالرسول نبي وإمام، والنبي إمام وليس برسول، والإمام ليس برسول ولا نبي. وإنما اختلفت أسماؤهم ومراتبهم لاختلاف المقومات والطبائع، وعلى قدر ارتفاع بعضهم عن درجة بعض في العزم والتركيب، وبتغير الزمان يتغير الغرض وتتبدل الشريعة، فأفضل الناس الرسول، ثم النبي، ثم الإمام. فالرسول هو الذي يشرع الشريعة ويبتدئ الملة ويقيم الناس على جمل مراشدهم إذ كانت طبائعهم لا تحتمل في ابتداء الأمر أكثر من الجمل، ولو لا أن في طاقة الناس قبول التلقين وفهم الاشارة لكانوا هملا ولتركوا نشرا وحشرا ولسقط عنهم الأمر والنهي، ولكنهم قد يفضلون بين الأمور إذا أوردت عليهم وكفوا مئونة التجربة وعلاج الاستنباط، ولن يبلغوا بذلك القدر قدر المستغني بنفسه المستبد برأيه المكتفي بفطنته عن إرشاد الرسل وتلقين الأئمة.

وإنما جاز أن يكون الرسول مرة عربيا ومرة عجميا وليس له بيت يخطره ولا شرف يشهر موضعه لأنه حيث كان مبتدئ الملة ومخرج الشريعة كان ذلك أشهر من شرف الحسب المذكور وأنبه من البيت المقدم، ولأنه يحتاج من الأعلام والآيات والأعاجيب إلى الظاهر المعقول والواضح الذي لا يخيل أن يشتهر مثله في الآفاق ويستفيض في الأطراف حتى يصدع عقل الغبي ويضعف طبع العاقل وينقض عزم المعاند وينبه من طول الرقدة ويخضع الرقاب ويضرع الخدود حتى يتواضع له كل شرف وينحل له كل أنف، فلا يحتاج حاله معه إلى مال ولا قدرة إلى حسب.

وعلى قدر جهل الأمة وغباء عقولها وسوء رغبتها وخبث عادتها وغلظ محنتها وشدة حيرتها تكون الآيات: كفلق البحر والمشي على الماء وإحياء الموتى وقصر الشمس عن جريها، ولأن النبي ليس برسول ولا مبتدئ ملة ولا منشئ شريعة، إنما هو للتأكيد والبشارة كبشارة النبي بالرسول الكائن على غابر الأيام وطول الدهر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت