باللّه نستعين وعليه نتوكل وما توفيقنا إلا باللّه.
اختلف الناس في المعرفة اختلافا شديدا، وتباينوا فيها تباينا مفرطا، فزعم قوم أن المعارف كلها فعل الفاعلين، إلا معرفة لم يتقدمها سبب منهم ولم توجبها علة من أفعالهم، ولم يرجعوا إلى معرفة اللّه ورسوله والعلم بشرائعه ولا إلى كل ما فيه الاختلاف والمنازعة وما لا تعرف حقائقه إلا بالتفكر والمناظرة دون درك الحواس الخمس، فزعموا أن ذلك أجمع فلهم على الأسباب الموجبة والعلل المتقدمة، وجعلوا مع ذلك سبيل المعرفة بصدق الأخبار كالعلم بالأمصار النائية والأيام الماضية كبدر وأحد والخندق وغير ذلك من الوقائع والأيام، وكالعلم بفرغانة والأندلس والصين والحبشة، وغير ذلك من القرى والأمصار، سبيل الاكتساب والاختيار، إذ كانوا هم الذين نظروا حتى عرفوا فصل ما بين المجي ء الذي لا يكذب [في] مثله والمجي ء الذي يمكن الكذب في مثله، فزعموا أن جميع المعارف سبيلها سبيل واحد ووجوه دلائلها وعللها متساوية، إلا ما وجدته الحواس بغتة وورد على النفوس في حال عجز أو غفلة، فكان هو القاهر للحاسة والمستولي على القوة، من غير أن يكون من البصر فتح ومن السمع إصغاء ومن الأنف شم ومن الفم ذوق ومن البشرة مس، فإن ذلك الوجود فعل اللّه دون الإنسان على ما طبع عليه البشر وركب عليه