فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 373

المواظبة في القلب، فينبت كما تنبت الحبة في الأرض حتى تستحكم وتشتد وتثمر، وربما صار لها كالجذع السحوق والعمود الصلب الشديد وربما انعقف فصار فيه بوار الأصل. فإذا اشتمل على هذه العلل صار عشقا تاما.

ثم صارت قلة العيان تزيد فيه وتوقد ناره، والانقطاع يسعره حتى يذهل العقل وينهك البدن، ويشتغل القلب عن كل نافعة، ويكون خيال المعشوق نصب عين العاشق والغالب على فكرته، والخاطر في كل حالة على قلبه.

وإذا طال العهد واستمرت الأيام نقص على الفرقة، واضمحل على المطاولة، وإن كانت كلومه وندوبه لا تكاد تعفو آثارها ولا تدرس رسومها.

فكذلك الظفر بالمعشوق يسرع في حل عشقه. والعلة في ذلك أن بعض الناس أسرع الى العشق من بعض، لاختلاف طبائع القلوب من الرقة والقسوة، وسرعة الإلف وإبطائه، وقلة الشهوة وضعفها.

وقل ما يظهر المعشوق عشقا إلا عداه بدائه، ونكت في صدره وشغف فؤاده. وذلك من المشاكلة، وإجابة بعض الطبائع بعضا، وتوقان بعض الأنفس الى بعض، وتقارب الأرواح. كالنائم يرى آخر ينام ولا نوم به فينعس، وكالمتثائب يراه من لا تثاؤب به فيفعل مثل فعله، قسرا من الطبيعة.

وقل ما يكون عشق بين اثنين يتساويان فيه إلا عن مناسبة بينهما في الشبه في الخلق والخلق وفي الظرف، أو في الهوى أو الطباع. ولذلك ما نرى الحسن يعشق القبيح، والقبيح يحب الحسن ويختار المختار الأقبح على الأحسن، وليس يرى الاختيار في غير ذلك فيتوهم الغلط عليه، لكنه لتعارف الأرواح وازدواج القلوب.

ومن الآفة عشق القيان على كثرة فضائلهن، وسكون النفوس إليهن، وأنهن يجمعن للإنسان من اللذات ما لا يجتمع في شيء على وجه الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت