فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 373

يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئا ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، انهم قد صدقوا، إذ كان مثلهم لا يتواطأ على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. فليس بين هذا وبين احياء الموتى والمشي على الماء فرق، إذ كان الناس لا يقدرون عليه ولا يطمعون فيه. والمجي ء إنما هو معنى معقول وشيء موهوم إذا كان وكيف يكون، ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن يقدروا عليه ولا يستطيعون فعله، وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة، فمتى وجدت أمرا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهو حجة، ثم لا عليك جوهرا كان أو عرضا أو موجودا او متوهما أو معقولا، ألا ترى أن فلق البحر ليس من جنس اختراع الثمار؟ لأن الفلق هو انفراج اجزاء والثمار أجرام حادثة! وكذلك لو ادعى رجل أن اللّه عز وجل أرسله فجعل حجته علينا الإخبار بما أكلنا وادخرنا وأضمرنا لكان قد احتج علينا.

[22 - اعتراض آخر: المنجم كالنبي يخبر بالغيب]

فان قلت: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير وبالأمر المستور وببعض ما يكون؟ قلنا: هناك فرق، فإن خطأ المنجمين كثير وصوابهم قليل، بل هو أقل من القليل. أنتم لا تقدرون أن تقفوا من إخبار المرسلين عليهم السلام في كثير إخبارهم على خطأ واحد. والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم، لأنهم لو قالوا فأخطئوا أبدا لما كان عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن اعجب العجب ان يوافق قولهم بعض ما يكون، وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة ويخطئون في أكثرها. وقد نجد الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون في الأمور الكثيرة المعاني والمختلفة في الوجوه حتى لا يخطئ في شيء من ذلك. وليس في الأرض منجم ذكر شيئا أو وافق ضميرا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجي ء بمثله وأكثر منه.

فإن قلت: إن الناس يكذبون في الاخبار عن الاعراب والكهان من كل جيل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت