الدين فساد العاجلة والآجلة، فاغتفر الخمول ضنا بالدين وإيثارا للآجلة على العاجلة، فدل ذلك على رجاحة حلمه وقلة حرصه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وأصالة رأيه. ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من اللّه تعالى بغاية منازل الدين وإنما كانت غايته في أمرهم أربح الحالين لهم وأعود القصدين عليهم، وعلم أن هلكتهم لا تقوم بإزاء فرق ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم، وقد علم بعد ذلك أن مسيلمة قد أطبق عليه أهل اليمامة ومن حولها من أهل البادية، وهم القوم الذين لا يصطلى بنارهم ولا يطمع في ضعفهم وقلة عددهم، فكان الصواب ما رآه علي من الكف عن تحريك الهرج إذا أبصر أسباب الفتن شارعة وشواكل الفساد بادية، ولو هرج القوم هرجة أو حدثت بينهم فرقة كان حرب بوارهم أغلب من الطمع في سلامتهم. وقد كان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وفضلاء أصحابه يعرفون من تلك الآراء شبيها بما يعرفه علي، فعلموا أن أول أحكام الدين المبادرة إلى إقامة إمام المسلمين لئلا يكونوا نشرا ولئلا يجعلوا للمفسدين علة وسببا، فكان أبو بكر أصلح الناس لها بعد علي فأصاب في قيامه والمسلمون في إقامته وعليّ في تسويغه والرضاء بولايته منة على الإسلام وأهله.
فلما قمع اللّه تعالى أهل الردة بسيف النقمة وأباد النفاق وقتل مسيلمة وأسر طليحة ومات أصحاب الأوتار ونفيت الضغائن راح الحق إلى أهله وعاد الأمر إلى صاحبه.
فصل منه: وإنما ذكرت لك مذهب من لا يجعل القرابة والحسب سببا إلى الإمامة دون من يجعل القرابة سببا من أسبابها وعلة من عللها، لأني قد حكيته في «كتاب الرافضة» وكان ثم أوقع وبه أليق، وكرهت المعاد من الكلام والتكرار لأن ذلك يغني عن ذكره في هذا الكتاب، وهو مسلك واحد وسبيل واحد، وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم لأنه أحسن شيء رأيته لهم. وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لأن فيه دلالة على غيره وغنى عما سواه.