فقال: ويلك تركتني مجنونا! ثم قال يا أخطل فقل. قال:
رماه الكرى في الرأس حتى كأنه ... نديم تروى بين ندمانه خمرا
ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج، ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن للناس، مثل خالصة جارية الخيزران، وعتبة جارية ريطة ابنة أبي العباس، وسكر وتركية جاريتي أم جعفر، ودقاق جارية العباسة، وظلوم وقسطنطينية جاريتي أم حبيب، وامرأة هارون بن جعبويه، وحمدونة أمة نصر بن السندي بن شاهك. ثمّ كن يبرزن للناس أحسن ما كن وأشبه ما يتزين به، ما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب.
ولقد نظر المأمون الى سكر فقال: أ حرة أنت أم مملوكة؟ قال: لا أدري، إذا غضبت عليّ أم جعفر قالت: أنت مملوكة، وإذا رضيت قال: أنت حرة. قال:
فاكتبي إليها الساعة فاسأليها عن ذلك. فكتبت كتابا وصلته بجناح طائر من الهدى كان معها، أرسلته تعلم أم جعفر ذلك، فعلمت أم جعفر ما أراد فكتبت إليها: «أنت حرة» . فتزوجها على عشرة آلاف درهم، ثم خلا بها من ساعتها فواقعها وخلى سبيلها، وأمر بدفع المال إليها.
والدليل على أن النظر الى النساء كلهن ليس بحرام، أن المرأة المعنسة تبرز للرجال فلا تحتشم من ذلك. فلو كان حراما وهي شابة لم يحل إذا عنست، ولكنه أمر أفرط فيه المتعدون حد الغيرة الى سوء الخلق وضيق الفطن، فصار عندهم كالحق الواجب.
وكذلك كانوا لا يرون بأسا أن تنتقل المرأة الى عدة أزواج لا ينقلها عن ذلك إلا الموت ما دام الرجال يريدونها. وهم اليوم يكرهون هذا ويستسمجونه في بعض،