قدر ما عظم من الأمور، فمما سمى روحا وأضافه إلى نفسه، جبريل الروح الأمين، وعيسى بن مريم. والتوفيق كقول موسى حين قال: إن بني فلان أجابوا فلانا النبي ولم يجيبوك. فقال له: «إن روح اللّه مع كل أحد» .
وأما القرآن فإن اللّه سماه روحا، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم وأبدانهم، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم: وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا وقال: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ.
فصل منه: قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم، بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم، ليكون الدليل تاما، والجواب جامعا، وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا الجواب، أنا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم، وأن الإدلال بالحجة، والثقة بالفلج والنصرة، هو الذي دعانا الى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، وألا نقول في مسألتهم بمعنى لم ينتبه له منتبه، أو يشير إليه مشير، وألا يوردوا فيما يستقبلون، على ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئا إلا والجواب قد سلف فيه، وألسنتهم قد مذلت به.
وسنسألهم إن شاء اللّه، ونجيب عنهم، ونستقصي لهم في جواباتهم، كما سألنا لهم أنفسنا، واستقصينا لهم في مسائلهم.
فيقال لهم: هل يخلو المسيح أن يكون إنسانا بلا إله، أو إلها بلا إنسان؟ أو أن يكون إلها وإنسانا؟
فإن زعموا أنه كان إلها بلا إنسان، قلنا لهم: فهو الذي كان صغيرا فشب والتحى، والذي كان يأكل ويشرب، وينجو ويبول، وقتل بزعمكم وصلب، وولدته مريم وأرضعته، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما وصفنا؟ فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا؟