غيره من أصحاب هذه المراتب وأهل هذه الطبقات الذين هم الغايات علمنا أنه أفضلهم، وإن كان كل واحد منهم قد أخذ من كل خير بنصيب فإنه لن يبلغ مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه.
فهذا دليل هذه الطبقة من الزيدية على تفضيل علي رضي اللّه تعالى عنه وتقديمه على غيره. وزعموا أن عليا كان أولاهم بالخلافة إلا أنهم كانوا على غيره أقل فسادا واضطرابا وأقل طعنا وخلافا، وذلك أن العرب وقريشا كانوا في أمره على طبقات. فمن رجل قد قتل علي أباه أو ابنه أو أخاه أو ابن عمه أو حميه أو صفيه أو سيده أو فارسه، فهو بين مضطغن قد دام على حقده ينتظر الفرصة ويترقب الدائرة قد كشف قناعه وأبدى صفحته. ومن رجل قد زمل غيظه وأكمن ضغنه يرى سترهما في نفسه ومداراة عدوه أبلغ في التدبير وأقرب من الظفر، فإنما يجزئه أدنى علة تحدث وأول تأويل يعرض أو فتنة تنجم، فهو يرصد الفرقة ويترقب الفتنة حتى يصول صولة الأسد ويروغ روغان الثعلب فيشفي غليله ويبرد ناره، وإذا كان العدو كذلك كان غير مأمون عليه سرف الغضب وأن يموه له الشيطان الوثوب ويزين له الطلب، لأنه قد عرف مأتاه وكيف يختله من طرق هواه، فإذا كان القلب كذلك اشتدت حفيظته ولم يقو احتراسه وكان بعرض هلكة وعلى جناح تغرير، لأنه منقسم الرأي متفرق النفس قد اعتلج على قلبه غيظ الثأر على قرب عهده بأخلاق الجاهلية وعادة العرب من الثأر وتذكر الأحقاد والإحن القديمة وشدة التصميم. ومن رجل غمته حداثته وأنف أن يلي عليه أصغر منه. ومن رجل عرف شدته في أمره وقلة اغتفاره في دينه وخشونة مذهبه. ومن رجل كره أن يكون الملك والنبوة يثبتان في نصاب واحد وينبتان في مغرس واحد، لأن ذلك أقطع لأطماع قريش أن يعود الملك دولة في قبائلها، ومن قريش خاصة في بني عبد مناف الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، لأن الرحم كلما كانت أمس والجوار أقرب والصناعة أشكل كان الحسد أشد والغيظ أفرط. فكان أقرب الأمور إلى محبتهم إخراج الخلافة من ذلك المعدن،