فصل منه- ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر ولم يكن أصحابه قط في زمان أشد استحكاما فيه منهم في زمانه، بعث اللّه موسى عليه السلام على إبطاله وتوهينه وكشف ضعفه وإظهاره ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم ولمن نشأ على ذلك من السفلة والطغام، لأنه لو كان أتاهم بكل شيء ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة والحيلة لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة ولا عتل به أصحاب الأشغال ولشغلوا به بال الضعيف، ولكن اللّه تعالى مجده أراد حسم الداء وقطع المادة وأن لا يجد المبطلون متعلقا ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلا، مع ما أعطى اللّه موسى عليه السلام من سائر البرهانات وضروب العلامات. وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله وعلى خاصة علمائه الطب، وكانت عوامهم تعظمهم على خواصهم، فأرسله اللّه عز وجل باحياء الموتى، إذ كانت غايتهم علاج المرضى وإبراء الأكمه، وإذ كانت غايتهم علاج الرمد. مع ما أعطاه اللّه تعالى عز وجل من سائر العلامات وضروب الآيات. لأن الخاصة إذا نجعت بالطاعة وقهرتها الحجة وعرفت موضع العجز والقوة وفصل ما بين الآية والحيلة، كان أنجع للعامة وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية. وكذلك دهر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان أغلب الأمور عليهم وأحسنها عندهم وأجلها في صدورهم حسن البيان ونظم ضروب الكلام مع علمهم له وانفرادهم به، فحين استحكمت لغتهم وشاعت البلاغة فيهم وكثر شعراؤهم وفاق الناس خطباؤهم، بعثه اللّه عز وجل فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه، فلم يزل يقرعهم بعجزهم وينقصهم على نقصهم حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم، وكان ذلك من اعجب ما آتاه اللّه نبيا قط، مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات. ولكل شيء باب ومأتى واختصار وتقريب، فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما يفحم أعجب الأمور عندهم ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم.
فصل منه: في ذكر أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام- وآية أخرى لا