فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 373

يعلم صدق النبي من كذب المتنبي وهو لم ينظر ولم يفكر؟ فان قلتم انه نظر وفكر فقد رجعتم الى الاكتساب، وان قلتم انه لم ينظر ولم يفكر، فلم عرف الفصل بينهما دون أن يجهله، وكيف علم ذلك وهو لا يعرف الحجة من الحيلة؟

وما يؤمنه ان يكون مبطلا إذ كان لم ينظر في أمور الدنيا ولم يختبر معانيها حتى يعرف الممتنع من الممكن وما لا يزال يكون بالاتفاق مما لا يمكن ذلك فيه، وكيف ولم يعرف العادة ومجرى الطبيعة، وإلى أين تبلغ الحيلة وأين تعجز الحيلولة، وعند أي ضرب تسقطان وعلى أي ضرب تقومان، ولم عرف صدق النبي حين عاين شاهده وأبصر أعاجيبه من غير امتحان وتعقب لمعانيها دون أن يعقد صدق المتنبي إذا أورد عليه أعاجيبه وخدعه وحيلته؟ بل كيف لم يعرف اللّه حين وقع بصره على الدنيا من غير فكره فيها وتقليب لأمرها، والدنيا بأسرها دلالة عما عرف صدق النبي حين أبصر دلالتها من غير تفكير فيها وتقليب لأمرها، وقد علمنا أن الدنيا دالة كما أن شواهد النبي دالة، ومتى كان ظاهر أحدهما يغني عن التفكير كان الآخر مثله، إذ لم يكن في القياس بينهما فرق ولا في المعقول فصل؟ قلنا: إن تجارب البالغ قبل أن يهجم على دلالات الرسل تأتي على جميع ذلك ولعمري لو كان هجومه عليها قبل المعرفة بمجاري [الأمور] وتصريف الدهور وعلقات الدنيا والتجربة لتصريف أمورها، لما وصل الى معرفة صدق النبي إلا بعد مقدمات كثيرة وترتيبات منزلة لأن مشاهد الشواهد إنما يضطره المشاهدة لها إذا كان قد جرب الدنيا وعرف تصرفها وعادتها قبل ذلك، ولو لم يكن جربها قبل ذلك حتى عرف منتهى قوة بطش الإنسان وحيلته وعرف الممكن من الممتنع وما يمكن كونه بالاتفاق مما لا يمكن، لما عرف ذلك.

فإن قالوا: وكيف جرب ذلك وعقله وأتقنه وحفظه، وهو طفل غرير وحدث صغير، لأن غير البالغ طفل إلى أن يبلغ وحين بلغ فقد هجم على النبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت