من ترك الفقهاء تمييز الآثار وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالاخبار يعرف الناس النبي من المتنبي والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة والفريضة من النافلة والحظر من الإباحة والاجتماع من الفرقة والشذوذ من الاستفاضة والرد من المعارضة والنار من الجنة وعامة المفسدة والمصلحة. فإذا نزلت الاخبار منازلها وقسمتها ذكرت حجج الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ودلائله وشرائعه وسننه، ثم جنست الآثار على أقدارها ورتبتها في مراتبها وقربت ذلك واختصرته وأوضحت عنه وبينته، حتى يستوى في معرفتها من قل سماعه وساء حفظه، ومن كثر سماعه وجاد حفظه، بالوجوه الجليلة والأدلة الاضطرارية.
ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول عليه السلام وتفصيلها والقول فيها لنقص مسها أو لوهن كان في أصلها من ناقليها والمخبرين عنها، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها ونقض قواها! ولكن لأمور سأذكرها وأحتج لها.
وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية وتنقص عن التمام واللّه تعالى المتوكل بها ومسخر أصناف البرية لها ومهيج النفوس على إبلاغها! وقد أخبر بذلك عن نفسه في محكم كتابه عن ذكره حيث قال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة على من ضاده وخالف عليه. وقال عز ذكره يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود، ولم يكن ليأمر الأقصى كما يأمر الأدنى ويأمر الغائب على الحاضر، قال اللّه تعالى لنبيه عليه السلام: وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا.
فأقول: إن كل منطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر، وخبر قاهر. فاذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في أصله وفرعه منه، ولا بد من التصادق في أصله والتعارف في فرعه، فالعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل،