أحدهما من سلطان صاحبه ولا ينهك أطرافه ولا يساجله الحروب، إذ كل واحد منهما يطمع في حد صاحبه وطرفه لتقارب الحال واستواء القوى، كما جاءت الأخبار عن ملوك الطوائف كيف كانت الحروب راكدة وأمرهم مريج، والناس نهب ليس لهم ثغر إلا معطل ولا طرف إلا منكشف، والناس فيما بينهم مشغولون بأنفسهم عن ملوكهم من عز بز مع إنفاق المال وشغل البال وشدة الخطر بالجمع والتغرير بالكل.
فصل منه: فإن قالوا: فما صفة أفضلهم؟ قلنا: أن يكون أقوى طبائعه عقله، ثم يصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة السماع، ثم يصل شدة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة، فإذا جمع إلى عقله علما وإلى علمه حزما وإلى حزمه عزما فذلك الذي لا بعده، وقد يكون الرجل دونه في أمور وهو يستحق مرتبة الإمامة ومنزلة الخلافة، غير أنه على حال لا بد من أن يكون أفضل أهل دهره. لأن من التعظيم لمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن لا يقام فيه إلا أشبه الناس به في كل عصر، ومن الاستهانة به أن يقام فيه من لا يشبهه وليس في طريقته، وإنما يشبه الإمام الرسول بأن يكون آخذا بسيرته منه، فأما أن يقاربه أو يدانيه فهذا ما لا يجوز ولا يسع تمنيه والدعاء به.
فصل منه: وإذا كان قول المهاجرين والأنصار والذين جرى بينهم التنافس والمشاحنة على ما وصفنا في يوم السقيفة، ثم صنيع أبي بكر وقوله لطلحة في عمر، وصنيع عمر في وضع الشورى وتوعده لهم بالقتل إن هم لم يقيموا رجلا قبل انقضاء المدة ونجوم الفتنة، ثم صنيع عثمان وقوله وصبره حتى قتل دونها ولم يخلعها، وأقوال طلحة والزبير وعائشة وعلي رضي اللّه تعالى عنهم، ليست بحجة على ما قلنا. فليست في الأرض دلالة ولا حجة قاطعة. وفي هذا الباب الذي وصفنا من حالاتهم وبينا دليل على أنهم كانوا يرون أن إقامة الإمام فريضة واجبة، وأن الشركة عنها منفية، وإن الإمامة تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأولى.