صدق الاخبار وامتناع الغلط في الآثار، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
واعلم أن اللّه تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم، ولم يحب أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم، لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب المختلفة وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة لجاز أن يختاروا بأجمعهم الملك والسياسة، وفي هذا ذهاب العيش وبطلان المصلحة والبوار والثواء، ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة أجمعين وعن البيطرة والقصابة والدباغة، ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ما هم فيه ومسهل ذلك عليهم. فالحائك إذا رأى تقصيرا من صاحبه أو سوء حذق أو خرقا قال له يا حجام، والحجام إذا رأى تقصيرا من صاحبه قال له يا حائك. ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة والبيطرة والقصابة، ولو لا ان اللّه تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سببا للاتفاق والائتلاف لما جعل واحدا قصيرا وآخر طويلا، وواحدا حسنا والآخر قبيحا، وواحدا غنيا وآخر. فقيرا، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا، وواحدا ذكيا وآخر غبيا، ولكن خالف بينهم ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون وبالطاعة يسعدون، ففرق بينهم ليجمعهم وأحب أن يجمعهم على الطاعة ليجمعهم على المثوبة. فسبحانه وتعالى ما أحسن ما أبلى وأولى وأحكم ما صنع وأتقن ما دبر. لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة، ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء، ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات ولبطل أصل المعاش. فسخرهم على غير إكراه ورغبهم من غير دعاء.
ولو لا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الاشياء إلا احسنها ومن البلاد إلا أعدلها ومن الأمصار إلا أوسطها، ولو كان كذلك لتناجزوا على طلب الواسط وتشاجروا على البلاد العليا ولما وسعهم بلد ولما تم بينهم صلح، فقد صار بهم التسخير الى غاية القناعة. وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني