ويعافون المرأة الحرة إذا كانت قد نكحت زوجا واحدا، ويلزمون من خطبها العار ويلحقون به اللوم، ويعيرونها بذلك، ويتحظون الأمة وقد تداولها من لا يحصى عدده من الموالي. فمن حسن هذا في الإماء وقبحه في الحرائر! ولم يغاروا في الإماء وهن أمهات الأولاد وحظايا الملوك، وغاروا على الحرائر. ألا ترى أن الغيرة إذا جاوزت ما حرم اللّه فهي باطل، وأنها بالنساء لضعفهن أولع، حتى يغرن على الظن والحلم في النوم. وتغار المرأة على أبيها، وتعادي امرأته وسريته.
ولم تزل القيان عند الملوك من العرب والعجم على وجه الدهر. وكانت فارس تعد الغناء أدبا والروم فلسفة.
وكانت في الجاهلية الجرادتان لعبد اللّه بن جدعان.
وكان لعبد اللّه بن جعفر الطيار جوار يتغنين، وغلام يقال له «بديع» يتغنى، فعابه بذلك الحكم بن مروان، قال: وما عليّ أن آخذ الجيد من أشعار العرب وألقيه إلى الجواري فيترنمن به وينشدنه بحلوقهن ونغمهن! وسمع يزيد بن معاوية الغناء.
واتخذ يزيد بن عبد الملك حبابة وسلامة، وأدخل الرجال عليهن للسماع، فقال الشاعر في حبابة:
إذا ما حن مزهرها إليها ... وحنت دونه أذن الكرام
واصغوا نحوه الآذان حتى ... كأنهم وما ناموا نيام
وقال في سلامة:
أ لم ترها، واللّه يكفيك شرها، ... إذا طربت في صوتها كيف تصنع
ترد نظام القول حتى ترده ... إلى صلصل من حلقها يترجع