على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحكماء مع اختلاف عللهم وبعد هممهم وشدة عداوتهم على بذل الكثير وصون اليسير، وهذا من ظاهر التدبير ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على العقلاء وأهل المعارف، فكيف على الأعداء؟ لأن تحبير الكلام أهون من القتال ومن إخراج المال، ولم يقل ان القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه بعد أن كثرت خصومتهم في غيره! ويدلك على ذلك قوله عز وجل وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً وقوله عز ذكره: وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ وقوله تعالى ذكره: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، ويدلك كثرة هذه المراجعة وطول هذه المناقلة على أن التقريع لهم بالعجز كان فاشيا، وأن عجزهم كان ظاهرا، ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تحداهم بالنظم والتأليف ولم يكن أيضا أزاح علتهم حتى قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وعارضوني بالكذب لقد كان في تفصيله له وتركيبه وتقديمه له واحتجاجه ما يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه! ولو لم يكن تحداهم في كل ما قلنا وقوعهم بالعجز عما وصفنا، وهل هذا إلا تمديحه له واكثاره فيه لكان ذلك سببا موجبا لمعارضته ومغالبته وطلب تكذيبه، إذ كان كلامهم وهو سيد عملهم والمئونة فيه أخف عليهم وقد بذلوا النفوس والأموال، وكيف ضاع منهم وسقط على جماعتهم نيفا وعشرين سنة مع كثرة عددهم وشدة عقولهم واجتماع كلمتهم، وهذا أمر جليل الرأي ظاهر التدبير.
فصل منه- في كراهة امتناعهم عن معارضة القرآن لعجزهم عنها-: والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء وإسحاق بن طالوت والنعمان بن المنذر وأشباههم من الأرجاس الذين استبدلوا بالعز ذلا وبالايمان كفرا وبالسعادة شقوة وبالحجة شبهة، بل لا شبهة في الزندقة خاصة، فقد كانوا يصنعون الآثار ويولدون الأخبار ويبثونها في الأمصار ويطعنون في القرآن ويسألون عن متشابهه وعن خاصه وعامه ويضعون الكتب على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي ولا معاند ذكي.