والمشاكلة والإلف، وله ابتداء في المصاعدة، ووقوف على غاية، وهبوط في التوليد الى غاية الانحلال ووقف الملال.
والحب اسم واقع على المعنى الذي رسم به، لا تفسير له غيره؛ لأنه قد يقال: إن المرء يحب اللّه، وإن اللّه جل وعز يحب المؤمن، وإن الرجل يحب ولده، والولد يحب والده ويحب صديقه وبلده وقومه، ويحب على أي جهة يريد ولا يسمى ذلك عشقا. فيعلم حينئذ أن اسم الحب لا يكتفى به في معنى العشق حتى تضاف إليه العلل الأخر إلا أنه ابتداء العشق، ثم يتبعه حب الهوى فربما وافق الحق والاختيار، وربما عدل عنهما. وهذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور. ولا يميل صاحبه عن حجته واختياره فيما يهوى.
ولذلك قيل: «عين الهوى لا تصدق» ، وقيل: «حبك الشيء يعمي ويصم» - يتخذون أديانهم أربابا لأهوائهم. وذلك أن العاشق كثيرا ما يعشق غير النهاية في الجمال، ولا الغاية في الكمال، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة، ثم إن سئل عن حجته في ذلك لم تقم له حجة.
ثم قد يجتمع الحب والهوى ولا يسميان عشقا، فيكون ذلك في الولد والصديق والبلد، والصنف من اللباس والفرش والدواب. فلم نر أحدا منهم يسقم بدنه ولا تتلف روحه من حب بلده ولا ولده، وإن كان قد يصيبه عند الفراق لوعة واحتراق.
وقد رأينا وبلغنا عن كثير ممن قد تلف وطال جهده وضناه بداء العشق.
فعلم أنه إذا أضيف الى الحب والهوى المشاكلة، أعني مشاكلة الطبيعة، أي حب الرجال النساء وحب النساء الرجال، المركب في جميع الفحول والإناث من الحيوان، صار ذلك عشقا صحيحا. وإن كان ذلك عشقا من ذكر لذكر فليس إلا مشتقا من هذه الشهوة، وإلا لم يسم عشقا إذا فارقت الشهوة.
ثم لم نره ليكون مستحكما عند أول لقياه حتى يعقد ذلك الإلف، وتغرسه