فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 373

التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس ولا امتحان الظنين من هتك الستار، ولو كان كل كشف هتكا وكل امتحان تجسسا لكان القاضي أهتك الناس لستر وأشد الناس كشفا لعورة.

والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما وأجراما غلاظا. فإن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كانوا قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم الى الكفر، وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين المذهبين أبين الفرق. وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمحصلين إعذارا وانذارا: امتحنتني وأنت تعرف المحنة وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة؟ قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت! ...

وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الاسلام ما عرض لك! فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة ولا من طريق الاعتساف ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه الحال وسبيلك هذه السبيل. وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره ويعاينوا انقطاعه فينقض ذلك استبصارهم فلا يمكنه جحد ما أقربه عندهم؟ فأبى أن يقبل ذلك وأنكره عليهم وقال: لا أريد أن أوتي بقوم إن اتهمتهم سرت فيهم بسيرتي فيه، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم اللّه فيهم، وهم ما لم أوت بهم كسائر الرعية وكغيرهم من عوام الأمة، وما شيء أحب إلي من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق. وما زال به رفيقا وإليه رقيقا.

ويقول: لأن استحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق. حتى رآه يعاند الحجة ويكذب صراحا عند الجواب، وكان آخر ما عاند فيه وأنكر الحق وهو يراه أن أحمد بن أبي داود قال له: أ ليس لا شيء إلا قديم أو حديث؟ قال: نعم. قال:

أ وليس القرآن شيئا؟ قال: نعم قال: أ وليس لا قديم إلا اللّه؟ قال: نعم. قال:

فالقرآن إذا حديث! قال: ليس أنا متكلم. وكذلك كان يصنع في جميع مسائله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت