الجاحظ وابن الزيات من اصحاب نحلة واحدة هي الاعتزال، وللجوار، ولكبر سنه، وللخدمات الكثيرة التي اداها الجاحظ لابن الزيات في الماضي «1» .
ويعتبر عهد الواثق الذي خلف المعتصم سنة 227 ه، عهد عز وخير بالنسبة للجاحظ وسائر المعتزلة، اذ كانت مكانتهم عالية وعقيدتهم محترمة، لقد غلب عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة، ومحمد بن عبد الملك الزيات الوزير، وكلاهما معتزليان. فكان لا يصدر إلا عن رأيهما ولا يخالفهما فيما رأياه «2» . وتابع والده في محنة خلق القرآن.
ولكن الحال تغيرت بعد موت الواثق وتسلم المتوكل سدة العرش سنة 232 ه. ولقد احدث المتوكل انقلابا في سياسة الدولة، فغضب على الشيعة، وضيق عليهم، وامر بحرث قبر الحسين «3» .، كما أبعد المعتزلة وقرب اهل السنة الجماعة، ونهى عن الكلام في القرآن، واطلق من كان مسجونا بسبب هذه التهمة، وكساهم «و كتب الى الآفاق كتبا ينهي عن المناظرة والجدل فأمسك الناس» «4» ، وغضب على أهل الذمة وضيق عليهم «5» .
عملا بهذه السياسة الجديدة نكب المتوكل ابن الزيات كما نكب محمد بن ابي دؤاد، فعزل القاضي من منصبه وصادر ضياعه وامواله
(1) رسالة في الجد والهزل (ضمن رسائل الجاحظ، ج 1، ص 231 - 278) .
(2) المسعودي، مروج الذهب، ج 4، ص 364.
(3) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 9، ص 230.
(4) اليعقوبي، التاريخ، (دار صادر، بيروت، 1960، د. ط) ج 2، ص 485.
(5) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 9 ص 173.