بالفقه والكلام ... له في الكتب كتاب الاسلام والتوحيد، وكتاب اعلام النبوة» «1» .
ثم ان المأمون خليفة المسلمين حقا يدافع عن الاسلام، وقد اثبت الجاحظ مناظرة طريفة جرت بينه وبين احد المرتدين، اسلم ثم ارتد الى النصرانية. وعند ما سأله المأمون عن سبب ارتداده قال: اوحشني كثرة ما رأيت الاختلاف فيكم! فرد المأمون قائلا: «لنا اختلافان: احدهما الاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهيد، وصلاة الاعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا وما اشبه ذلك. وليس هذا باختلاف، انما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة ... والاختلاف الاخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا مع اجماعنا على اصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر. فاذا كان الذي اوحشك هذا حتى انكرت من اجله هذا الكتاب، فقد ينبغي ان يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، والا يكون بين النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات. وينبغي لك ان لا ترجع الا الى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها ... » «2» .
نستدل من كلام المأمون على سعة صدره وتبحره بامور الفقه والكلام ونظرته المتسامحة الى مظاهر الاختلاف بين المسلمين. لقد عزا الاختلافات الكثيرة الى سببين: الاول هو الشكل كالقراءات والتشهيد والاذان وتكبير الجنائز وصلاة الاعياد. والآخر هو التأويل الذي اعتبره ظاهرة طبيعية عائدة الى طبيعة اللغات التي لا تخلو من الفاظ مبهمة
(1) ابن النديم، الفهرست (المطبعة الرحمانية بمصر، 1348، د. ط.) ص 168.
(2) اثبت تلك المناظرة في البيان والتبيين، ج 4، ص 72 - 74.