تحتاج الى شرح وتفسير. وهو يرى ان هذا الاختلاف ليس ذا خطر لانه لا يتناول وجود الكتاب والسنة وانما يتعلق بفهمهما. هذا المفهوم للتأويل لا يختلف عن المفهوم الذي سنجده عند المتأخرين امثال ابن رشد «1» .
ان سياسة المأمون القائمة على الحرية والاقناع والحوار وفرت للناس الاسباب التي أدت الى التعبير عن آرائهم مما ادى الى كثرة الفرق وسفور الزنادقة عن وجوههم والتقلب بين المذاهب. يؤكد ذلك الحوار الذي اجراه المأمون مع احد الزنادقة واثبته الجاحظ «2» .
قدم المأمون اهل العلم ورجال الفكر والادب امثال الجاحظ وثمامة ابن اشرس المتكلم المعتزلي، وبختيشوع بن جبريل وسلمويه وابن ماسويه اشهر اطباء العصر، وسهل بن هارون وأبي العتاهية وغيرهما من الادباء والشعراء. وكان يناقشهم في المسائل العويصة وكثيرا ما يخالفهم الرأي، ويتسامح معهم فيما يصدر عنهم من اختلاف عن رأيه!. لقد هجاه دعبل الخزاعي فاخبره احدهم بذلك فاجابه: «من اقدم على هجاء ابي عباد كيف لا يهجوني؟ ومعنى ذلك ان من اقدم على هجاء ابي عباد المعروف بحدته ونزقه، كيف لا يقدم على هجاء المأمون بحلمه ومحبته للصفح» «3» .
والخلاصة ان المأمون كان عالما فطنا كريما تميز عهده الذي استمر عشرين سنة بالأمور التالية: اهتم بالفلسفة والعلوم، وأمر بنقل
(1) يقول ابن رشد: «و معنى التأويل هو اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية فصل المقال (دار المعارف بمصر، تحقيق محمد عمارة، 1972، د ط.) ص 32.
(2) الحيوان، ج 4، ص 442.
(3) ابن الطقطقي، تاريخ الدول الاسلامية، ص 226.