فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 373

الحجة بارع الجدل يناظر الادباء والفلاسفة ويفوقهم علما وقدرة على الاقناع. انه مثلا يخطئ سهل بن هارون الذي سمعه يقول: «ان من اصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين ان يرغبوا فيه، وانه قد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال» فيجيبه قائلا: «قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم. فان كنت هذا اردت فوجهه الذي ذكرناه. ولو قلت: العلم لا يدرك غوره ولا يسبر قعره ذلك كان عدلا وقولا صدقا، وقد قال بعض العلماء: اقصد من اصناف العلم ما هو اشهى على نفسك واخف على قلبك، فان نفاذك فيه على حسب شهوتك له وسهولته عليك. وقال أيضا بعض الحكماء: لست اطلب العلم في بلوغ غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله ولا يمس بالعاقل اغفاله. وقال آخرون: «علم الملوك النسب والخبر وحمل العفة، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم اصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير، فاما ان تسمي الشيء علما وتنهي عنه من غير ان يكون يشغل عما هو انفع منه، بل تنهي نهيا جزما وتأمر امرا حتما فلا! والعلم بصر وخلافه العمى، والاستبانة للشر ناهية عنه، والاستبانة للخير آمرة به» «1» .

يتضح من كلام المأمون مذهبه الفكري الحر. فهو يدعو الى العلم مهما كان نوعه وموضوعه لانه بمثابة البصر، يميز به الانسان الخير من الشر، ولا ينبغي ان يحرم منه احد. وهو مع ذلك يعترف بأن ادراك غايته شيء عسير لانه بحر لا يعرف غوره. ولهذا ينبغي ان يهتم المرء بما هو شهي على قلبه من العلوم، كما يشير الى ضرورة التخصص في العلم. ولا شك في ان رد المأمون على سهل بن هارون قد بلغ غاية البلاغة. وقد اعترف ابن النديم بعلم المأمون فقال عنه «اعلم الخلفاء

(1) البيان والتبيين، ج 4، ص 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت