فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 373

عهده في بغداد، عهد العطاء، والغنى والشهرة. في هذا العهد الذي استمر نحو نصف قرن من الزمان عاش الجاحظ مقربا من قصر الخلافة، حائزا على رضا اصحاب السلطان يخدمهم بقلمه ويحظى منهم بالرعاية والعطف والاموال والهبات.

ويخبرنا الجاحظ ان المأمون امر بتأليف كتب تعالج موضوع الخلافة فاستجاب له أبو عثمان وصنف كتبا في الامامة، فكلف المأمون اليزيدي (255 ه) بالنظر فيها وتقديم تقرير عنها. ويستفاد من كلام الجاحظ ان الخليفة وجد هذه الكتب على ما امر به عند ما اطلع عليها، ويبدو ان هذه الكتب كانت السبب في اتصال الجاحظ بالمأمون. وعند ما صار إليه قال له مقرظا مصنفاته تلك: وقد كان من يرتضي عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب باحكام الصنعة وكثرة الفائدة فقلنا له: قد تربي الصفة على العيان فلما رأيتها رأيت العيان قد اربى على الصفة» «1» .

لم يقنع المؤرخون برواية الجاحظ التي تشير الى سبب اتصاله بالمأمون، فذهبوا الى ان معتزلة كثمامة بن اشرس وغيره هم الذين مهدوا الطريق له الى البلاط. وكانوا ذوي حظوة عند المأمون اتخذهم مستشارين له واعوانا. وقالوا ان المأمون لم يقتصر على ابداء اعجابه بكتب الجاحظ وانما عينه رئيسا لديوان الرسائل، غير ان الجاحظ لم يمكث في منصبه إلهام هذا سوى ثلاثة ايام، اذ استعفى منه «2» .

اصبح الجاحظ في عهد المأمون من الرجال المقربين يتردد الى اولي الامر ويجتمع بهم ويطلع عن كثب على ما يجري في اروقة الخلافة من مناظرات ولقاءات واحاديث. وقد رسم في كتبه صورة دقيقة عن ذلك الخليفة العظيم. فهو عالم متفلسف واسع الثقافة عميق المعرفة قوي

(1) البيان والتبيين، ج 4، ص 72.

(2) ياقوت، معجم الادباء، ج 16، ص 78 - 79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت