كان هذا شأنه لا يكون مخلوقا على الحقيقة بل على المجاز.
والقرآن في رأي الجاحظ على غير ما يقول بهؤلاء المتكلمون. انه «جسم وصوت وذو تأليف وذو نظم وتقطيع، وخلق قائم بنفسه مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء ومرئي في الورق، ومفصل وموصل، ذو اجتماع وافتراق، ويحتمل الزيادة والنقصان والفناء والبقاء، وكل ما احتملته الاجسام ووصفت به الاجرام. وكل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع اهل اللغة» .
والقسم الثاني من الرسالة مخصص لعرض محاكمة الامام أحمد بن حنبل:
لقد جمع المعتصم الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمحصلين، ولما احضر الامام أحمد بن حنبل ليسأله عن رأيه في خلق القرآن احتج الامام احمد قائلا: امتحنتني وأنت تعرف المحنة وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من جميع هذه الأمة. فاجابه المعتصم: اخطأت بل كذبت. فسؤالي لك ليس من المحنة، بل خوفا على الاسلام. ولو لا ذلك لم يقيدك قبلي الخليفة المأمون ويحبسك. ثم قال له مهددا لأن استحييك بحق احب الي من ان اقتلك بحق. ولكن الامام أحمد ظل يعاند وينكر الحق. وسأله أحمد بن أبي دؤاد رئيس القضاة: أ ليس لا شيء الا قديم او حديث؟
أجاب نعم. قال: ا وليس القرآن شيئا؟ قال: نعم. قال ا وليس لا قديم الا اللّه؟
قال: نعم. قال: فالقرآن اذا حديث! قال ليس انا متكلم. فقال الخليفة: أف لهذا الجاهل مرة والمعاند مرة.
ثم قال أحمد بن أبي دؤاد: أ تزعم ان اللّه تعالى رب القرآن؟ قال: لو سمعت احدا يقول ذلك لقلت! قال: أ ما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل ولا من قاص ولا في شعر ولا في حديث؟ وعندئذ ضربه الخليفة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل أن حكم كلام اللّه كحكم علمه. فكما لا يجوز ان يكون علمه محدثا ومخلوقا فكذلك لا يجوز ان يكون كلامه مخلوقا ومحدثا. فأجابه أحمد بن أبي دؤاد: هذا غير صحيح لأن علم اللّه غير كلامه. فهو يستطيع ان يبدل