فينبغي- يرحمك اللّه- لصاحب هذه المقالة، إن لم يجعله طويلا أن يجعله عريضا، وإن لم يجعله عريضا أن يجعله مدورا، وإن لم يجعله مدورا أن يجعله مثلثا، وإن لم يجعله مثلثا أن يجعله مربعا. وإن أقر بهيئة من الهيئات فقد دخل فيما كره.
ولا أعلم المدور، والمثلث، والمربع، والمخمس، والمصلب، والمزوّى، وغير ذلك من الهيئات، إلا أشنع في اللفظ. وأحقر في الوهم.
[20 - تأويل اصحاب التشبيه لآيات القرآن بصدد الرؤية: الآية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ تنسخها الآية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ]
فصل منه: وقال اصحاب الرؤية: إذا اعتللتم علينا بقول اللّه تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وقلتم: هذه الآية مبهمة، وخرجت مخرج العموم، والعام غير الخاص.
وقد صدقتم، كذلك العام إلى أن يخصه اللّه بآية أخرى، وذلك أن اللّه تعالى لو كان قال: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ثم لم يقل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ لعلمنا أنه قد استثنى آخرة من جميع الأبصار.
قالوا: وإنما ذلك مثل قوله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ومثل قوله: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وهذه الأخبار مبهمة عامة، فلما قال: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ولما قال، أيضا: ولا يُحِيطُونَ بِشيء مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ علمنا أن القول الثاني قد خص القول الأول. وكذلك أيضا قوله:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ.
[21 - رد الجاحظ: كبار المفسرين يفسرون الآية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ بمعنى الانتظار]