وثالثاً فإن الزمن في قوله تعالى:"وعلى الأعراف..."هو نفس الزمن الذي ينظر فيه هؤلاء الرجال إلى كل من أهل الجنة وأهل النار أي في الآخرة، أما الأستاذ أسد فيقول إنهم"كانوا"يتمتعون"في الدنيا"بالمقدرة على التمييز بين الحق والباطل، وهذا غير ذاك كما هو واضح، ثم إن العرب إذا وصفوا شخصاً بالتمييز بين الحق والباطل فإنهم يقصدون مدحه لا القول بأنه فاتر في موقفه تجاههما مما يدخل في باب الذم لا المدح!
أما الملاحظة الخامسة فهي أن أصحاب الموقف الفاتر في مثل هذه الأمور هم عادةً الأشخاص الذين لا يتمتعون بمقدرة على المقاومة، ولا يستطيعون من ثم الصمود أمام إغراءات الشهوات والأباطيل، أليس هذا ما نشاهده في هذه الحياة؟ وعلى ذلك كان ينبغي أن يكون مكان هؤلاء مع أهل النار.
وسادساً لقد تحدث القرآن كثيراً عن الكافرين الذين يصرون على كفرهم رغم علمهم أنهم على الباطل، وأن النبي على الحق، ومع ذلك لم يستعمل كلمة"أعراف"في أي موضع من هذه المواضع، بل يستعمل عادةً كلمة"يعرفون"أو"يعلمون".
وسابعاً هل ثمة معنى لقولنا:"وعلى المعرفة رجال يعرفون كذا"؟ إن هذا كلام ركيك، وحاشى لله أن يكون هذا هو أسلوب القرآن! وعلى أية حال فقد كان ينبغي أن يترجم محمد أسد هذه العبارة ترجمة مباشرة، ثم فليقل بعد ذلك في الهامش ما يشاء وذلك احتراماً للنص القرآني، وحفاظاً عليه بدلاً من تحيُّفه وطَمْسه قليلاً قليلاً، وإسقاط تصوراته هو ومفاهيمه عليه في ذات الوقت!
إن النص القرآني شيء، وفهمه وتفسيره شيء آخر، وإن مكان التفسير في مثل هذه القضية هو الهامش الذي سيُحْسَب حينئذ على المترجم لا على القرآن نفسه.
ومما يجدر ذكره كذلك في هذا السياق أن كاتبنا يترجم كلمة"النَّسِىء"في قوله تعالى: (( إنما النسىء زيادة في الكفر يُضَلّ به الذين كفروا يُحِلّونه عاماً ويُحَرِّمونه عاماً ليواطئوا عِدَّة ما حَرَّم الله فيُحِلّوا ما حَرَّم الله ) ) (12) بـ"the inte r calation of monthes"بمعنى"إضافة بعض الشهور"ليظل عدد أيام السنة القمرية مساوياً لعدد أيام نظيرتها الشمسية، إذ كانوا (كما يقول) يزيدون شهراً في السنة الثالثة والسادسة والثامنة كل ثماني سنوات، ثم يمضى قائلاً: إن المسلمين لو كانوا جَرَوْا على هذه الطريقة الجاهلية لجاء الصوم والحج دائماً في نفس الموعد من السنة الشمسية كل عام، ومن ثم يكون أداؤهما إما بالغ السهولة أو شديد الصعوبة حسب الفصل الذي سيقع فيه (13) .
والواقع أن هذا أحد المعنيين اللذين تذكرهما المعاجم كـ"لسان العرب"و"تاج العروس"مثلاً لكلمة"النسىء"أما معناه الآخر فنَقْل حُرْمة أحد الشهور الحُرُم (وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم) إلى شهر آخر لأن العرب كانوا إذا تقاتلوا وأتى عليهم شهرٌ حرامٌ وأرادوا أن يستمروا في القتال ولا يتوقفوا طِبْقاً لما تقضى به حرمة تلك الأشهر، ينقلون تلك الحرمة إلى شهر آخر غير محرَّم بعد انتهاء الحرب، فالأستاذ أسد كما نرى قد ذكر أحد المعنيين لكمة"النسىء"وأغفل المعنى الآخر وهو المعنى الذي أرى أنه الأنسب للسياق: فالآية تتحدث عن"الأشهر الحُرُم"لا عن الحج أو الصيام، وتذكر تحليل النسىء عاماً وتحريمه عاماً، ولا تشير إلى زيادة أيامٍ كل عام كي تتوافق السنة القمرية مع السنة الشمسية، وتقول: إن غاية العرب من ذلك هو مواطأة عِدّة ما حرَّم الله أي جَعْل الفترة التي يمتنعون فيها عن القتال أربعة أشهر دون أن تكون بالضرورة هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثم فليكن المعنى الذي أدار محمد أسد عليه ترجمته رغم ذلك كله هو المعنى الصحيح، أفلم يكن ينبغي أن يتعرض للمعنى الآخر في الهامش حتى يعطى القارئ فرصة لاختيار ما يطمئن إليه عقله وضميره؟ ذلك أنه لا يفسر بل يترجم، وما دامت الآية تحتمل معنيين لقد كان ينبغي أن يذكر المعنى الثاني في الهامش ويخرج بذلك من العهدة، أياً ما يكن الأمر فقد رأيت عدداً من مترجمي القرآن يترجم"النسىء"كما ترجمه أسد، ويبدو لي أنه قد تأثر بهم، وقد رددت على بعضهم في كتابي"المستشرقون والقرآن".