ويُبْعِد الأستاذ أسد النُّجْعة في بيداء الاعتسافات الخاطئة عند ترجمته لـ"كذلك"في قوله تعالى عن رحلة ذي القرنين في اتجاه المشرق: (( كذلك وقد أَحَطْنا بما لديه خُبْراً ) ) (13) بـ"thus (We had made them and thus he left them) "، ومعناه:"كذلك جعلناهم، وكذلك تركهم ذو القرنين"، يقصد (كما قال في الهامش) أن ذا القرنين لم يشأ أن يتدخل في أسلوب حياتهم البدائية الطبيعية في العيش عراةً حتى لا يسبب لهم الشقاء، إذ هم لا يحتاجون إلى أي نوع من الملابس (14) ، لكن ثمة عدداً من الأسئلة لا بد من الجواب عليها عند ترجمة هذه الآية الكريمة: ترى هل هناك أي دليل على أن المقصود بعدم وجود ستر بين هؤلاء القوم وبين الشمس أنهم كانوا عراة؟ ألا يمكن أن يكون المقصود مثلاً أن الجو عندهم ضاحٍ طول النهار؟ أو أنهم من أهل الصحراء حيث لا شجر ولا واقٍ طبيعي من حرارة الشمس؟ وحتى لو كان الأمر في"الستر"هو ما قاله، فما الدليل على أن كلمة"كذلك"تعنى ما جاء في ترجمته؟ ثم كيف لا يهتم ذو القرنين، وهو (كما يلوح من الآيات) من الحكام الصالحين المؤمنين بالله - سبحانه - بأن يُخْرِجهم من حالة العُرْى، ويعلِّمهم كرامة الاستتار؟ لقد امتنَّ الله في القرآن على عباده بأنه قد أنزل عليهم لباساً يوارى سوءاتهم وريشاً (15) ، وهو ما يدل على أن ستر العورات وارتداء الملابس امتثال لمشيئة الله، وتقبل لنعمته الكريمة، فكيف يقول أسد إن ذا القرنين قد آثر تركهم على ما هم عليه من عُرْىٍ وبدائية؟ بل إن آدم وحواء في بداية الخليقة ما إن أكلا من الشجرة المحرمة وبدت لهما سوءاتهما حتى طَفِقا يَخْصِفان عليها من ورق الجنة رغم أنه لم يكن هناك أحد غيرهما، فما بالنا بِعُرْى الدنيا الذي يكون عُرْضة لأنظار كل من هَبَّ ودَبّ؟ وفوق ذلك فإنه - سبحانه - قد نسب نزع الملابس عن أبوينا الأوَّلَيْن إلى الشيطان نفسه بما يبرهن أقوى برهان على قبح ذلك وشُنْعه عند رب العالمين (16) ، إن هذا الموقف الذي ينسبه أسد إلى ذي القرنين لهو أشبه بما كان يفعله المستعمرون الأوربيون مع همج القارة الأفريقية إبان الهجمة الاستعمارية على تلك القارة، إذ كانوا يَجْهَدون في إبقائهم على ما هم فيه من جهل وبدائية كي يستطيعوا نزح ثروات القارة السوداء دون حسيب أو رقيب!
وثمة أيضاً لفظة قد ترجمها أسد بطريقة لا يمكنني هضمها، وهى تأديته حَرْفي"الطاء"و"الهاء"في مفتتح سورة"طه"بـ"O man: يا رَجُل"رغم أن ذلك أحد المعاني التي يذكرها المفسرون قائلين إن هذا هو معنى"طه"في النبطية والسريانية وغيرهما، بل إنه قد ترجم اسم السورة بذات الطريقة أيضاً فأصبحت تُعْرَف عنده باسم"سورة يا رجل"! (17)
ولقد سبق في كتابي"سورة طه - دراسة لغوية أسلوبية مقارنة"، في فصل"ملاحظات في تفسير السورة"أن رفضتُ أي تفسير لهذه الكلمة لا يقول إنهما حرفان مقطَّعان مثل:"ألم، ألمص، طس، حم، ق"، ويجد القارئ هناك بسطاً لرأيي والآراء التي رددتُ عليها، والذي يهمنا هنا هو القول بأن تفسيرها بـ"يا رجل"هو قول غريب فيه إساءة إلى النبي - عليه السلام - إذ لم يحدث أن ناداه ربه - سبحانه - في القرآن بغير النبوة والرسالة: (( يا أيها النبي، يا أيها الرسول ) )أو بصفة تدل على حالة خاصة به في موقف معين: (( يا أيها المُزَّمِّل، يا أيها المُدَّثِر ) ).
فالقول إذن بأن الله - سبحانه - قد ناداه هنا بكلمة عامة تصدق على كل البشر هو قول لا يتسق مع الطريقة التي ينادى بها المولى في القرآن عبده محمداً، ثم فلنلاحظ أن أسلوب النداء:"يا أيها الـ..."المستعمل في جميع المرات التي نودي فيها الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا وجود له في"طه"، فلماذا يشذّ القرآن هنا بالذات عن أسلوبه في مناداة الرسول؟ بل لماذا يا ترى يلجأ القرآن الكريم إلى النبطية والسريانية في نداء الرسول العربي القرشي؟ أهو ضِيقٌ في العربية استلزم استعارة هذا اللفظ؟ أم هو لون من المباهاة بمعرفة اللغات الأخرى، حاش لله؟ أترى من المعقول أن ينادى الله - سبحانه - رسوله الكريم بما يضيق به صدر الواحد منا، نحن الذين لا نرتفع إلى عشر معشار مقامه صلى الله عليه وسلم لو نُودِىَ به، إذ يرى بحقٍّ أن فيه تجهيلاً له واحتقاراً؟ إن بعضهم يظن أن ورود كاف الخطأب في قوله - تعالى- عقب ذلك: (( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) )معناه أنه لا بد أن تكون"طه"نداء للرسول، لكن ما وجه اللزوم في ذلك؟ إن هذه الكاف موجودة أيضاً في قوله سبحانه:"ألمص* كتابٌ أُنْزِل إليك..."، وفي"كهيعص* ذِكْرُ رحمة ربك عبده زكريا"، وفي"حم* عسق* كذلك يوحِى إليك وإلى الذين من قبلك اللهُ العزيز الحكيم"وغيرها، فلماذا لم يقل هؤلاء إن الحروف في هذه المواضع أيضاً هي نداء للرسول؟ لكل هذا أرفض رفضاً باتّاً أن يكون معنى"طه"هو"يا رجل"!