فهرس الكتاب

الصفحة 6557 من 27364

أبعاد التخريب العلماني محمد أركون.. أنموذجاً

مجلة البيان - (ج 123 / ص 46)

بقلم: د. أحمد إبراهيم خضر

بالأمس... طلب خالدُ بن عبد الله القسري، أمير العراق، الجعدَ بن درهم، حتى ظفر به، فخطب بالناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قاله في خطبته: أيها الناس، ضحّوا، تقبّل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، فكان ضحية، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رُمِيَ بها (1) .

واليوم.. المرعى الإسلامي غداً بابه مفتوحاً لكل (عرجاء) و (عوراء) لا يجزئ لحمها في الأضحية (2) .

إنهم أهل التخريب العقدي، يحاربون الإسلام من داخله بإثارة شكوك المسلمين بما يؤمنون به، يهدفون عبر زعزعة الترابط العقدي تفكيكَ المجتمع الإسلامي برمته (3) . يصفون أنفسهم بأنهم علماء مجتهدون متفرغون لتطوير المعرفة (4) ، ولا تخرج مقولاتهم عند كونها لوناً من ألوان (الرقاعة الثقافية) (5) ، يميزون أنفسهم عن المسلمين الآخرين (المقلدين) ، أما هم، فإنهم باحثون تحرروا مما أطلقوا عليه (المعارف الخاطئة) التي تعارف عليها كل المسلمين عن الإسلام. يدعون إلى العقلانية ويطالبون باتساع العقل وحرية البحث حتى في القضايا الدينية الحساسة التي ترتبط بما هو مقدس ولا يمس (كالوحي والقرآن والسنة) . يشجعون الإبداع الفكري الذي يصل عندهم إلى حد القول بأن الاعتقاد بأن الشريعة ذات أصل إلهي (وهمٌ كبير) (6) ومع كل هذا الانحراف والضلال يطالبون الآخرين بالتسامح معهم، والإقبال على مناظرتهم، وعدم الخلط بين العرض العلمي للقضايا ومواقف العوام، والتقيد بما يفرضه البرهان العقلي. يتهمون ما يسمى (بالخطاب الإسلامي) بأنه خطاب مليء بالنقائض والرذائل والمثالب، يحمّل المفكرين (أمثالهم) ما لم يفكروا فيه، وما لم يدّعوه، وما لم ينطقوا به (7) .

ماذا يريدون بالضبط؟

همهم الأول القضاء على الإيمان العقدي ومحوه من الأفق البشري: حتى لا يبقى هناك إلا الأفق الاجتماعي. يريدون منا أن ندخل تجربة الغرب التاريخية التي خاضها منذ أكثر من قرنين فتخلص من الأفق الديني القروسطي (نسبة إلى القرون الوسطى) .

لا يجهلون الإسلام وإنما يصرون على تحليله في ضوء النصرانية الكنسية والقرون الوسطى التي ارتبطت في أذهان الغرب بالتصور المظلم والمرعب عن الدين. أفقهم المعرفي لا يخرج عن حدود الفكر الغربي والثقافة الأوروبية. يتزلفون للغربيين حتى القسس منهم على حساب دينهم؛ ولهذا يضيقون ذرعاً بمطالبة الإسلاميين بخصوصية إسلامية وأصالة عقلية وعلمية مطلقة جعلتهم في غنى عما أبدعته انحرافات الفكر الغربي والبحث العلمي خارج دائرة المعارف الإسلامية المتأصلة في القرآن والمنطلقة منه، فراحوا يتصورون أن الإسلاميين كآباء الكنيسة يقتلون في الإنسان حس المبادرة والحركة ويدعون إلى الاستكانة والاستسلام ورفض الانخراط في العالم (8) .

أهل السنة والجماعة في نظر أهل التخريب العقدي (أورثوذكسيون) :

لأنهم يُجمعون على عقيدة إسلامية صحيحة ومستقيمة، ويُبرزون معايير التفرقة بينها وبين البدع والاعتقادات الطارئة المنحرفة عن الإسلام. (والأورثوذكسية) أصلاً مصطلح غربي نقله أهل التخريب إلى العربية ولا يربطونه بالمذهب الأورثوذكسي في النصرانية؛ لأنه مصطلح سابق على ظهور هذا المذهب. لا يروق لهم المعنى الحرفي للكلمة (وهو الطريق المستقيم أو الطريق الصحيح) إنما يأخذون معناها الاصطلاحي وهو (النواة العقائدية الصلبة والمغلقة على ذاتها لدين ما، أو لأيديولوجية ما، أو اتجاه سياسي ما، والتي ترفض كل ما يقع خارجها باعتبار أنه ضلال وهرطقة) . يقول أهل التخريب إنهم لم يستطيعوا ترجمة مفهوم (الأورثوذكسية) بكل أبعاده الأيديولوجية بالسنّة؛ لأن أهل السنة والجماعة قد احتكروا المفهوم لصالحهم وعدلوا به عن معناه في القرآن (9) ، ولم يعط أهل التخريب العقدي دليلاً واحداً مقنعاً يبين صحة تأويلاتهم الفاسدة الخارجة أصلاً عن حدود القرآن والسنة.

وحتى لا يُتهم أهل التخريب العقدي بالكفر، سارعوا إلى وضع مفهوم جديد للإيمان والكفر. فهموا من الإمام الغزالي أن الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به، والإيمان هو تصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والبرهمي كافر بالطريق الأوْلى؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت