النفط أم تحقيق السلام
ماذا وراء تعيين مبعوث أمريكي للسلام في السودان؟ وهل هناك مبادرة أمريكية جديدة بخصوص السودان؟ وما الخطوط العامة لهذه المبادرة؟ وهل تمثل خطورة على الطرح المصري والليبي بخصوص المسألة السودانية؟، وهل يقف المبعوث الأمريكي موقف الحياد أم تحركه المصالح الأمريكية وجماعات الضغط التي تدفع في اتجاه اتخاذ سياسات متشددة تجاه السودان؟.
يمكن القول: إن السياسة الأمريكية تجاه السودان تحركها العديد من الدوافع والأسباب، لعل من أهمها التخوف الأمريكي من تحول السودان إلى بؤرة لانطلاق حركات إسلامية في الجوار الأفريقي، والتي تعتبرها الولايات المتحدة دول مواجهة وحليفة في الوقت ذاته، كما أن المصالح الأمريكية في السودان باتت مهددة كما يقول المراقبون بعد وجود منافسين فرنسيين وكنديين، خصوصاً في مجال استخراج النفط، ولعل هذا أهم سبب لتعيين المبعوث الأمريكي.
ورغم إعلان الخارجية الأمريكية عن أهداف تعيين المبعوث والتي تتمثل في وقف أعمال القتل من خلال التوصل إلى سلام عادل وشامل، ومساعدة المواطنين المتضررين من الحرب والجفاف، ووضع نهاية لما أسماه بمساندة الإرهاب الدولي، وهو الأمر الذي حاول السودان التخلص منه بتقديم بعض المعلومات الاستخبارية للولايات المتحدة بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن فقد لاقى تعيين المبعوث الأمريكي ردود فعل متباينة، حيث رأى وزير الخارجية السوداني أن هذه الخطوة تتوقف أهميتها على مدى الحيادية والشفافية التي يتحلى بها المبعوث، وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه بعد اتهام بوش للسودان بتشجيع الرق والعبودية، وتحميله مسؤولية تدهور الأوضاع فضلاً عن تأييد بوش لمبادرة الإيقاد، وهو ما يعني تجاهل المبادرة المصرية الليبية التي كانت محل تقدير الأوساط السودانية.
ورغم ترحيب حزب الأمة بالخطوة، فقد عارضها الحزب الاتحادي ورآها تقويضاً للمبادرة المصرية الليبية، والتفافاً حولها، أما وزيرا الخارجية المصري والليبي، فقد قلَّلا من أهمية المبادرة الأمريكية، وأكدا أن المبادرة المصرية الليبية هي المبادرة المطروحة.
فماذا يمثل إذن تعيين المبعوث الأمريكي للسودان؟ يمكن القول: إن إدارة بوش تسير في اتجاه الإدارات الأمريكية السابقة، التي عملت دائماً على الانحياز الأمريكي الواضح لحركة التمرد الجنوبية. ويقول المراقبون: إن السياسة الجديدة تعتمد برنامج مساعدات تصل تكلفته إلى نحو 30 مليون دولار، يخصص نصفها للمساعدات الإنسانية في الشمال، والباقي لمشاريع تنمية الجنوب.
لماذا يؤيد الأمريكان الإيقاد؟
جرت محاولات عدة لتسوية المشكلة السودانية، ومن تلك المحاولات الوساطة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في الفترة من (1989 - 1991م) ، ولكنها لم تنجح ولم تتقدم كثيراً وأعقبتها الوساطة التي رعاها الرئيس النيجيري إبراهيم بابا نجيدا في الفترة من (1991 - 1993م) ، واقترحت نيجيريا على السودان تطبيق التجربة النيجيرية: دولة علمانية ونظام فيدرالي، ولكنها هي الأخرى لم تحرز أي نتائج، وكانت المحاولة الثالثة محاولة الإيقاد في الفترة من 1994م وحتى الآن، ولم تحقق أي تقدم، حيث تعاني هذه المنظمة التي تضم ست دول هي (أثيوبيا السودان إريتريا أوغندا كينيا جيبوتي) من ضعف هيكلي. أما طروحاتها، فتتراوح بين السودان العلماني الموحد، أو حق تقرير المصير، وقد نشأت الإيقاد عام 1986م كمنظمة حكومية للجفاف والتصحر، ثم تطورت في عام 1995م إلى منظمة للتنمية، وأُوكل إليها متابعة ملف الصومال وجنوب السودان، وحتى الآن لم تحقق أي نجاح في الملفين، ويغلب عليها ما يمكن أن نسميه (صراع التوجهات والأدوار) ، حيث تسعى أغلب دولها: إريتريا، وأوغندا، وأثيوبيا، وكينيا لأن تلعب دوراً إقليمياً على مستوى منطقة القرن الأفريقي، وعلى الرغم من أنها منظمة إقليمية، إلا أن الدول المانحة، وخصوصاً الولايات المتحدة، وإيطاليا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، واليابان وغيرها رأت أن تقوم بإحياء دورها من خارجها، فتوسعت الإيقاد إلى ما أطلق عليه (شركاء الإيقاد) ، ويحاول هؤلاء الشركاء وضع أجندة تعكس الرؤية الأوروبية الأمريكية، ومن ثمَّ أصبحت الإيقاد ذات طابع دولي يعكس المصالح الغربية والأمريكية التي تتناقض مع مصالح دول المنطقة، ويمول الشركاء المنظمة بأكثر من نصف ميزانيتها، وهو ما يؤثر في النهاية على مقرراتها، ويجعلها ذات طابع دولي أكثر منه أفريقي.
موقف دول الإيقاد^^