فهرس الكتاب

الصفحة 4133 من 27364

اللعبة الكبرى..

صراع دولي كبير تدور رحاه حول آسيا الوسطى، ورهانات متنوعة وخطيرة تتداخل لتشكيل محور ذلك الصراع. وبما أن المنطقة لا تزال تعاني من الهشاشة، ولكونها تمر بفترة انتقالية تاريخية، فإن دولها حديثة العهد بالاستقلال تعيش في وضع حرج بين تثبيت بيتها الداخلي وإعادة ترتيبه، ومواجهة تحديات وطموحات القوى المعنية بالمنطقة، تلك الطموحات التي يحركها الموقع الجيوبولتيكي، والارتباطات التاريخية والحضارية وأيضاًً الحسابات الجيواستراتيجية الشاملة.

موقف الأطراف المتصارعة:

ثمة كتلة من الدول تعتبر أن منطقة آسيا الوسطى منطقة مهمة أو حيوية بالنسبة لها على الصعد الجيواستراتيجية.. الجيواقتصادية والحضارية، الثقافية. تأتي في مقدمة هذه الدول: روسيا ـ الخارجة من تحت عباءتها السوفييتية ـ الدول المكونة لمنطقة آسيا الوسطى والقوقاز، تليها الولايات المتحدة بناء على نفوذها الدولي ومكانتها الجيواستراتيجية والجيواقتصادية في العالم. والتي يهمها أن تزاحم روسيا على خيرات المنطقة وتحجم دورها التوسعي في المنطقة. كما يهمها صد الدور الإيراني والحيلولة دون اكتمال صورة"أممية أصولية"بزعامة إيران في المنطقة.

وعلى صعيد القوى الإقليمية تتوزع إيران وتركيا وباكستان الأدوار، الأولى بفعل موقعها الجيوبولتيكي وامتداداتها الثقافية الحضارية، والثانية للأسباب نفسها فضلاً عن لعب دور الصراع بالوكالة لصالح الحلف الأمريكي الأطلسي، والأخيرة (باكستان) تشكل آسيا الوسطى بالنسبة لها حلماً طالما انتظرت تحقيقه وهي تعتقد أنها قريبة من الهدف في حال استمرار طالبان في الزحف على كامل التراب الأفغاني.

ونتناول دور كل دولة من هذه الدول بالتفصيل..

أولاً روسيا:

1 ـ مفهوم"الجوار القريب":

ظهر التوجه الروسي إلى إعادة هيمنة موسكو على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في وقت مبكر جداً ولإضفاء شرعية على هذا التوجه قدم المسؤولون الروس مبررات عدة، في مقدمتها الأمن القومي الروسي والصراعات الإثنية في دول الجوار القريب وخطر امتدادها إلى داخل روسيا والدفاع عن مصالح الأقليات الروسية هناك. لكن ما لم يقله المسؤولون الروس ويرفضون الاعتراف به، هو أن موسكو كان لها دور كبير في تأجيج الصراعات في أطراف الاتحاد السوفييتي السابق تمهيداً لتدخلها دبلوماسياً وعسكرياًً، وبالتالي لإعادة هذه الدول إلى دائرة نفوذها. ففي جورجيا على سبيل المثال، دعمت روسيا على التوالي الأبخاز ضد حكومة تبلسي، والرئيس الجورجي إدوارد شيفرنادزة ضد خصمه زياد غامسا غورديا، الأمر الذي أتاح لها فرض وصايتها على جورجيا والتي تجسَّدت أولاً من خلال انضمام هذه الأخيرة مكرهة إلى كومنولث الدول المستقلة التي تتزعمها روسيا، ثم من خلال اتفاق الصداقة والتعاون الموقع بين البلدين مطلع شهر فبراير 1994 والذي حصلت روسيا بموجبه على ثلاث قواعد عسكرية في جورجيا. أما فيما يتعلق بالصراع الأرميني ـ الأذري، فقد ساعدت روسيا أرمينيا، مسرعة بذلك إطاحة الرئيس الأذري السابق أبي الفضل التشيبي، ذي الميول التركية، ثم اقترحت أخيراً، خطة لحل الأزمة بين البلدين تنص على إقامة خمس قواعد عسكرية روسية على طول الحدود بين أذربيجان وأرمينيا وقد حصلت على الموافقة على ذلك.

ولم تقتصر الضغوط الروسية على دول"الجوار القريب"على المجال العسكري، إذ إن روسيا مارست ضغوطاً سياسية واقتصادية على كل من أوكرانيا (فيما يخص جزيرة القرم) وكازاخستان ودول البلطيق الثلاث وروسيا البيضاء، وضغوطاً دبلوماسية على الجميع لإعادة هذه الدول إلى الحظيرة الروسية، وإذا كانت روسيا قد نجحت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها، على الرغم من الممانعة الهشة التي تبديها دول البلطيق الثلاث وأوكرانيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، فإن هذا النجاح يعود في جزء كبير منه إلى لامبالاة الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاًً، وكذلك إلى غياب طرف إقليمي قادر على الوقوف في وجه روسيا. فالغربيون لا يريدون التورط بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراعات الدائرة في أطراف الاتحاد السوفييتي، ويقرون لروسيا بدور إقليمي مهيمن في المنطقة، ربما باستثناء دول البلطيق الثلاث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت