ومن أعظم الدواهي التي دَهَى بها القومُ السلف الصالح ، وبهتوهم بها دعوى ردود الأفعال والإضافات على العقيدة .
ومن المعلوم أنه من منهج السلف الصالح في تقرير العقيدة والدفاع عنها ، أنه كلما استحدث أهل الأهواء والبدع والافتراق بدعة اعتقادية أو قولية أو عملية قرر السلف الحق فيها بما يجلي العقيدة الصحيحة ، وينفي ما يضادها بالدليل من القرآن والسنة وآثار السلف ، وأدرجوها في كتب السنن والعقيدة ، لتأكيدها حيث جحدها المخالفون للسنة ، ولحماية الأمة من البدعة ، وقد ضاق أهل الأهواء ذرعاً بهذا الأمر ؛ لأنهم كلما أو قدوا ناراً وفتنة للبدعة قيض الله من أعلام الأمة من يقرر الحق ويقيم الحجة بالدليل ، ويطفي نار الفتنة ويقمع البدعة ، وذلك من وعد الله تعالى حين تكفل بحفظ الدين وبقاء طائفة على الحق ظاهرين ينافحون عن الحق ، ويذودون عن حياض السنة وينفون البدعة ويحذرون منها ومن دعاتها .
وقد أطلق بعض المفتونين من المعاصرين ( تبعاً لمنهج أسلافهم أهل الأهواء ) على أعمال السلف هذه بأنها ردود أفعال ، وأنها إضافات على العقيدة ؛ وضربوا لذلك أمثلة تبرهن على جهلهم بالسنة وتحاملهم على أهلها ، ومن ذلك:
** زعمهم أن السلف زادوا في العقيدة ما ليس من أركان الإيمان ، وهم بذلك يشيرون إلى أن العقيدة وأصول الدين ومسلماته مقصورة على أركان الإيمان الستة المعدودة في حديث جبريل .
وما علموا - أو تجاهلوا أن العقيدة هي كل ثوابت الدين وأصوله وفرائضه وقطعياته وأن كل ما ثبت في الدين فهو من العقيدة وأصول الدين ، بما في ذلك الأحكام القطعية والثابتة وأن أركان الإيمان لا تتم إلا بمستلزماتها ومكملاتها العلمية والعملية التي نص عليها الشرع ، فهي تدخل في هذه الأركان .
كأسماء الله وصفاته الثابتة بالكتاب والسنة وإخلاص العبادة لله تعالى ، ونفي الشرك والبدع داخل في الإيمان بالله ، والإيمان بالملائكة بأسمائهم الواردة وأوصافهم وأعمالهم الثابتة بالنصوص ، والإيمان بالكتب ، والرسل كذلك .. إلخ .
والشفاعة والرؤية والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولزوم الجماعة والطاعة ، وحقوق الصحابة وأصول الأخلاق وقطعيات الأحكام وما ثبت منها كتحريم عقوق الوالدين ، والربا والميتة والخنزير والزنا والكذب والغيبة ، ونحو ذلك كله من العقيدة لأنه من القطعيات والثوابت وداخل فيها .
زعموا أن مسائل ( أشراط الساعة ) ليست من العقيدة وأنها من الإضافات ومنها: ( مسألة المهدي ) 99 وهذا كذلك جهل ( أو تجاهل ) 100 لهذه الحقيقة ، فإن أشراط الساعة الكبرى وكثير من الصغرى ، ومنها:
( المهدي ) قد ثبتت بها النصوص ، وكل ما ثبتت به النصوص القطعية وجب اعتقاده سواء سميناه: العقيدة أو السنة ، أو أصول الدين ، أو القطعيات أو الأخبار القطعية فكل هذه اصطلاحات صحيحة ، ولا مشاحة في الاصطلاح .
وكل ما ثبت في القرآن أو صحت به السنة فهو مما يجب الإيمان به ، والتسليم بأنه حق ، وهذا هو معنى كونه ( عقيدة ) .
** وزعموا أن من أمثلة ما يسمون - الإضافات على العقيدة -: مسألة ( المسح على الخفين ) 101 وهي فقهية من مسائل الأحكام ، وكونها من مسائل الأحكام في الأصل صحيح ، لكنها على القاعدة في الإيمان: أن كل ما ثبت به النص فهو مما يجب التسليم به واعتقاده وقد صار الإنكار من سمات أهل البدع الرافضة ، والمسح على الخفين تواترت به النصوص ، ومن السنن العملية المجمع عليها عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
فلما أنكرها أهل الأهواء والبدع أنكروا ثابتاً من الدين فأدرجها السلف في مسائل العقيدة ، لأن إنكارها يؤدي إلى الإخلال بالأصول والقطعيات ( العقيدة ) .
وليست هذه هي المسألة الوحيدة من قطعيات الأحكام وثوابتها التي تندرج في كتب العقيدة ومسائلها ، بل ذكر السلف كثيراً من القطعيات والثوابت في الأحكام والأخلاق ضمن مصنفات العقيدة ، مثل:
( الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحقوق الصحابة ، وحقوق الولاة ، والوالدين ، والجار ، وتحريم الكذب ، والغيبة ) ونحو ذلك ، كله داخل في مسمى العقيدة ، لأن العقيدة معناها: اعتقاد كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل به حسب الاستطاعة .
** وزعموا أن من أمثلة ( الإضافات على العقيدة ) الخلافة والحكم وأنها من ردود الأفعال ، وأنه لما ظهر قول الفرق المفارقة فيها ، قام أهل السنة ( بصياغة نظرية خاصة تميزهم عن سائر الفرق في الإمامة ) سبحان الله !
وتأمل أخي القارئ هذا التعبير الاستشراقي الأدبي العجيب في وصف عمل السلف الذين لا يصدرون في تقرير الدين إلا عن الكتاب والسنة .
فقد عبروا عن عمل السلف بأنه ( صياغة نظرية ) !! ومن المعلوم أن السلف يقررون الحق بدليله وليس دينهم وعقيدتهم نظريات تصاغ .
ثم قالوا: ( تميزهم ) وكأنهم من عشاق التميُّز ،لكنهم من عشاق الحق ، ويريدون تمييز الحق من الباطل والسنة من البدعة .
** ثم زعموا أن مسألة طاعة ولاة الأمر وعدم جواز الخوارج عليهم ( من الإضافات ) وكذلك الصبر على ظلم الولاة وجورهم ، والصبر على الأثرة منهم ، ونحو ذلك زعموا أنه من إضافات السلف على العقيدة .
وقد جهلوا - أو تجاهلوا - أن ذلك من الدين والسنة ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة بالنصوص الشرعية في القرآن وصحيح السنة ، في الصحيحين وغيرهما .
** وزعموا أن مسألة ( القرآن وكلام الله تعالى ) وتقرير الحق في أن القرآن كلام الله منزل - غير مخلوق - من ردود الأفعال والإضافات على العقيدة .
وهذا كما أسلفت يندرج تحت قاعدة السلف: أن كل أصل من قطعيات الدين وما ثبت بنص شرعي يرد فيه من قبل أهل الأهواء نقض أو شك أو خروج عن مقتضى الحق فلا بد من تأصيله ورد الباطل عنه ، والتنويه عن ذلك في المصنفات التي تُقرر فيها الأصول وثوابت الدين ومسلماته وهي كتب السنة ( العقيدة ) وهذا منهج شرعي علمي اصطلح عليه العلماء العدول الثقات ، وله ما يبرره شرعاً وعقلاً ومنهجاً وإن ضاق به أهل الأهواء ذرعاً .
وهكذا .. لما ظهرت المذاهب المعاصرة الهدمة كالعلمانية ، والحداثة أو القومية والوجودية والعقلانية والعصرانية ونحوها ، أدرجها العلماء والباحثون والمختصون ضمن بحوث العقائد والمبادئ الضالة ؛ وصارت تدرس في أقسام العقيدة في الجامعات والمؤسسات العلمية ، وكليات أصول الدين والشريعة وأقسامها ونحوها .
وهذا اصطلاح له مبرراته وأصوله وإن اختلف عليه الناس .
ثم يحسن أن نُوجه لهؤلاء الذين يريدون الهدم ولا يجيدون البناء سؤالاً فنقول لهم: إذا كان لا يعجبكم إدخال ما تُسمونه الإضافات على العقيدة التي اتفق على جملته سلف الأمة وعلماؤها وخيارها . فما الضابط عندكم فيما يكون من العقيدة وما لا يكون ؟ ثم هل أنتم متفقون على قاعدة في ذلك ، ومن مِنْ شيوخكم والفرق التي تمجدونها يؤخذ بقاعدته ومنهجه .. ونحو ذلك من الأسئلة التي لا يتفقون على جوابها .
إنما يسلكون في ذلك مسلك الحداثيين الذين يسعون إلى هدم الثوابت والخروج عن الأصول والمسلمات إلى التيه والضياع والفوضى نسأل الله السلامة .
منهج السلف الصالح
لم يكن نتيجة الصراعات والأحداث
** زعموا أن عقيدة السلف ( أهل السنة) ومخالفيهم تكونت نتيجة للصراعات السياسية والمذهبية والأحداث التاريخية.
وهذا الكلام فيه حق وباطل ، أما وجه الحق فيه فهو أن عقائد مخالفي السلف وهم أهل الأهواء والافتراق والبدع كان من أسبابها توجهاتهم وصراعاتهم السياسية والمذهبية والأحداث التاريخية ، وردود الأفعال ، لأنهم يحكِّمون أهواءهم وآراءهم في مواقفهم تجاه السنة وأهلها وتجاه الولاة ولا يلتزمون تعاليم الشرع في ذلك .
أما الباطل فزعمهم أن مذهب السلف كان كما ذكروا أو أنه ردود أفعال ، فإن مذهب السلف ( أهل السنة والجماعة ) هو الحق والسنة والصراط المستقيم ، المستمد من القرآن والسنة ، وكل أصل عند السلف ( من أصول العقيدة ) إنما يقوم على الدليل ، وما قد يندرج في بعض مصنفات العقيدة من مسائل فرعية فليس من الأصول ، والسلف يتعاملون مع الصراعات السياسية ( إن صح التعبير ) حسب النصوص والأصول والقواعد الشرعية ، التي تقوم على السمع والطاعة بالمعروف ، والنصح لمن ولاه الله أمر المسلمين وعدم الخروج على الوالي المسلم ما لم يروا كفرا ًبواحاً عندهم فيه من الله برهان ،وهذا كله مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله أمر بالاجتماع على الحق ، ولا اجتماع لا بإمامة وسلطان ، ولا إمامة وسلطان إلا بسمع وطاعة بالمعروف ، كما أثر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (( إنه لا إسلام إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمارة ، ولا إمارة إلا بطاعة ) )102
أهل السنة ليسوا نواصب ولا جبرية
النواصب: هم الذين يناصبون علياً - رضي الله عنه - وآل البيت العداء ، وهم في ذلك أهل بدعة على غير الحق ، وعلى غير الهدى ، ويقابلهم أولئك الذين غلوا في عليّ - رضي الله عنه - وآل البت . بل هؤلاء أسبق إلى البدعة من ألئك .
والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة السلف الصالح حبُّ علي - رضي الله عنه - وموالاته فهو من السابقين للإسلام ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وصهر رسول صلى الله عليه وسلم ورابع الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين .
وكذلك آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذرية علي - رضي الله عنه - وغيرهم ممن يشمله هذا الوصف ، نعرف لهم حقهم وقدرهم ، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ويجمعون عليه بحمد الله .
ومن لم يكن على ذلك فهو مبتدع أو جاهل ، أو مخطئ أو صاحب هوى .
فالنواصب ليسوا على نهج السنة والجماعة .
لكن مما يجدر التنبيه إليه أن الشيعة بفرقهم ، ومن يميل إليهم ( وهم يغلون في علي - رضي الله عنه - وآل البيت ) يسمون من لم يجاريهم في الغلو: ناصبياً وهذا من البهتان والظلم والعدوان .
وكما أشرت ما حدث وما يذكر عن بعض أمراء بني أمية ، أنهم كانوا يسبّون علياً - رضي الله عنه - أو يؤذون بعض ذريته ، بغير حق ، فهذا خطأ وظلم وعدوان ، وهو على خلاف منهج أهل السنة، ولا يقرونه ، بل كان أئمة السلف يعدون ذلك من الخطأ ، وكانوا ينكرونه ، ويعدون النواصب من أهل الأهواء والبدع ، وهذا مسطور في كتبهم وآثارهم بحمد الله .
وكذلك لم يكن السلف جبرية ، لأن الجبر يقوم على مقولة بدعية ، وهي: أن الإنسان مجبور على أفعاله مسلوب الاختيار .
وهو قول الجهمية ويميل إليه القائلون بالكسب والسلف ينكرون هذه المقالات ويبدّعون من قال بها .
وقد يقصد بعض أهل الأهواء بالجبر ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب السمع والطاعة بالمعروف للسلطان والصبر على جور الولاة والكف عن منازعتهم وترك الخروج عليهم والسلف يذهبون إلى ذلك استجابة لأمر الله ، و أخذاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسمية ذلك جبراً من قبل أهل الأهواء إنما هو من التلبيس والبهتان وقلب الحقائق .