فهرس الكتاب

الصفحة 5372 من 27364

زين العابدين الركابي 19/11/1424

هل نحن في عصر تحريف الأمور عن مواضعها، وقلب الحقائق؟ أو في عصر استراتيجيات نفسية وسياسية وإعلامية تتعمد أو تحترف (إسقاط خطايا الذات على الآخرين) وهي حرفة تعارفت الدراسات النفسية على تسميتها بـ ( مرض الإسقاط) ؟.

في المبتدأ لن نتورط في تبرئة العرب والمسلمين من الأخطاء والخطايا، فهذه تبرئة تتجافى عن الطبيعة البشرية، وعن الواقع الماثل الطافح بالأخطاء من كل نوع. بيد أنه حسبُ المسلمين أخطاؤهم.. ومن الظلم البواح: أن يحمّلوا أوزار قوم آخرين، وأن يسقط عليهم ما تعج به حياة هؤلاء القوم، والملحظ الأشد حزناً - هنا- أن طوائف من المسلمين صدقت أو كادت تصدق بأن ما يُسقط عليها هو شيء صحيح بإطلاق، وأن هذا الشيء من خصائصها وسماتها التي لا تنفك عنها.. وهذا الشك العاصف في الذات مسبب بالقصف الإعلامي المركز والمستمر والذي يلج - مثلاً- على أن العرب والمسلمين عدوانيون، وشهوانيون، وإنه لكاذب من ينكر أن في العرب والمسلمين شيئاً من ذلك، ولكن بالاستقراء العلمي يتبين: أن المسلمين (هواة) بالنسبة إلى (الخبراء المتخصصين) في هذه المجالات. والغربيون- إلا العقلاء المنضبطين منهم - هؤلاء هم الخبراء المتخصصون العريقون في صناعة الموت.

كم عدد القتلى في الحروب والصراعات التي كان المسلمون طرفاً فيها عبر 1410هـ سنوات؟ هو عدد قليل، لا يساوي واحداً في المائة ألف من عدد القتلى في الحروب والصراعات التي أوقدها وقادها وخاضها غربيون في القرن العشرين، ومن هؤلاء القتلى 27 مليون عسكري في الحربين العالميتين: الأولى والثانية، ويقدر عدد المدنيين من ضحايا هاتين الحربين بـ 13 مليوناً من النساء والأطفال وكبار السن في أثناء الحرب العالمية الأولى، ونحو 20 مليوناً في الحرب العالمية الثانية، وبلغ مجموع القتلى في القرن العشرين - لأسباب دينية وأيديولوجية- وبعيداً عن المعارك الحربية - بلغ 80 مليون إنسان. وفي الجملة فإن 167مليون إنسان لقوا مصرعهم في مجازر وقفت خلفها السياسة، ومعظم هذه المجازر دبرها وقادها غربيون، هكذا تحدث التاريخ الموثوق فمن مسعّر الحروب على الحقيقة؟ وليس هناك امرؤ أمين صاحب ضمير يستطيع أن ينفي: أن من العرب والمسلمين من استبد به نزق الشهوات، ولكن هل الغربيون أطهار عفيفون زاهدون في هذه المسألة؟ إن الانفجار الشهواني قد بلغ الذروة هناك، بعد أن تحطمت قيم ومعايير عديدة. وهو انفجار تخطى العلاقة بين الذكر والأنثى إلى المعاشرة المثلية.. لسنا ننصر شهوة عربية ملهوفة على شهوة غربية ملهوفة. فالسوء هو السوء، سواء صدر عن هذا الجنس أو ذاك، ومورس في هذه البيئة أو تلك ، ولكنا نعجب من موقف، ومن تفكير من يستكثر بضعة أرطال من الشهوات المفلتة، ولا يلفت نظره: ألوف الأطنان من الشهوانية السائبة، بل يسقط هذه الأطنان على صاحب الأرطال، وفي كل شر.

المثل الثالث هو: المنابع والمصادر الثقافية ( وهذا هو جوهر المقال الذي يبسط القول في هذه النقطة التي أجملت في مقال الأسبوع الماضي) فلم تكد أحداث سبتمبر تقع حتى طفقت دوائر معروفة تبدئ وتعيد وتكثر الكلام حول: أن للإرهاب منابع وأن هذه المنابع هي: المناهج الدينية والثقافية في الوطن العربي والعالم الإسلامي. ولم ينحصر التشنيع والاتهام في (الاجتهادات البشرية) التي تصيب وتخطئ، وإنما تعدى هذه الاجتهادات إلى (المصادر العظمى) لدين الإسلام، أي الكتاب والسنة.

وهذا توجه ينطوي على ثلاثة (مخاطر) حقيقية لا وهمية، وجدية غير هازلة.

أ- فهذا التوجه (تدخل في الحرية الدينية) للمسلمين، فهو ينزع إلى أن يعلم المسلمين كيف يعتقدون؟ وماذا يعتقدون؟ وماذا عليهم أن يتركوه من المعتقدات؟.

ب- وهو توجه يحمل (المطالب الصهيونية) ويترجمها على نطاق واسع، فمنذ مدة طويلة تطالب المؤسسة الصهيونية بـ (تعديل) الإسلام نفسه، وفق دعوى تدعيمها وهي: أن (المشكلة) في الإسلام نفسه، لا في أتباعه فحسب. وأنه بناء على هذه الدعوى ينبغي أن ينعقد (إجماع دولي) لمواجهة مصدر التهديد وهو الإسلام ولقد جدد الحاخام اليهودي الأمريكي الشهير (مارفين هير) - منذ أسبوع- هذه الدعوى، عبر برنامج ( لاري كنج) ومما قاله هذا الحاخام:"لو سألتني بشكل مباشر: هل هناك آراء متطرفة في القرآن؟ سوف أقول نعم".

ج_ وهو توجه يؤيد -بقوة- مقولات (الإرهابيين) الذين يقولون: إن الغرب - والأمريكان بوجه خاص- يحاربوننا عل أساس عقدي ديني.

ولنبسط القول - الآن- في (المؤسسات) والاتجاهات التي تغذي الناس هناك بآراء ومواقف متحاملة على الإسلام والعرب والمسلمين.

أولاً- في الولايات المتحدة الأمريكية:

على الرغم من أن أمريكا دولة علمانية وفق نص التعديل الأول من الدستور الأمريكي وهو النص الذي يقول:"لن يصدر الكونجرس أي قانون بصدد ترسيخ الدين أو منع ممارسته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت