بدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية اجتمعت لجنة صياغة"المشروع الحضاري النهضوي العربي"في لبنان لمدة يومين؛ بغرض مراجعة المخطط الأولى للمشروع المقترح ومناقشته وتوزيع أعباء العمل من أجل إعداد المسودة الأولى للمشروع. كانت أولى الملاحظات التى استجابت لها اللجنة اختيار عنوان آخر حيث تعددت الانتقادات للاسم المذكور في متن الموضوع أعلاه؛ فكان الاختيار هو"نحو مشروع للنهضة في الوطن العربى".
كان مركز دراسات الوحدة العربية قد دعا لندوة كبرى عقدت في فاس بالمغرب (نشرت مجلة المستقبل العربي كافة أوراقها في عددها لشهر يوليو الماضي وليتها تنشر التعقيبات التى قدمها المشاركون حول الأبحاث، كما سيصدر إن شاء الله كتاب شامل لكل المناقشات والحوارات) .
وقد تعددت الاستجابات بين المفكرين والباحثين والسياسيين لمبادرة إعداد مشروع للنهضة العربية، فهناك من رفض قيام مركز وحيد بمثل هذا العمل، بل هناك من رفض الفكرة من أصلها، بينما كان موقف البعض الآخر إيجابياً مع بعض الانتقادات، وهناك من اعتبر أن العرب خرجوا من التاريخ وأنه لا أمل في نهضة عربية في هذه الآونة.
وحرصاً على أن يدور حوار يثري الإعداد للمشروع المقترح، وحتى تتواصل الأفكار والمقترحات، وليشارك أكبر عدد ممكن من المهتمين، فإننى أضع حصيلة المناقشات حول مخطط المسودة المقترحة بين يدي القراء:
فى البداية لابد من التذكير بموقف مبدئي شخصي ينطلق من موقعي الفكري والسياسي كمسلم ينشط في إطار حركة الإخوان المسلمين، فقد رحبت بدعوتي مع آخرين من نفس الموقع للمشاركة في الندوة، ثم كنت الوحيد المنتمي للتيار الإسلامي في لجنة الصياغة التى ستوالي أعمالها بعد 5 شهور يستغرقها إعداد المسودة الأولى.
يلتبس على كثير من الناشطين الإسلاميين الموقف من الوحدة العربية ومن القومية العربية وعلاقة ذلك بالوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية.
ومنذ ظهور فكرة"الإخوان المسلمين"كان ذلك الموقف واضحاً محدداً، حيث قال الإمام حسن البنا فى"رسالة المؤتمر الخامس": إن الإسلام نشأ عربياً، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه بلسان عربي مبين، واتحدت الأمم باسمه على هذا اللسان وقد جاء في الأثر:"إذا ذل العرب ذل الإسلام"، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه، وأحب هنا أن أنبه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة كما عرفها النبى ص فيما يرويه ابن كثير عن معاذ ابن جبل رضى الله عنه:"ألا إن العربية اللسان..ألا إن العربية اللسان"، ومن هنا كانت وحدة العرب أمراً لابد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية"."
إذن هنا موقف واضح محدد، جسده حسن البنا في مشاركته النشيطة في الإعداد لميثاق جامعة الدول العربية التى رحب بقيامها، وقدم لعبدالرحمن عزام باشا الأمين الأول للجامعة كل الدعم بدءاً من صياغة الميثاق، ثم تجسد التعاون في اللجنة العليا لإنقاذ فلسطين ووجود غطاء سياسى لكتائب الفدائيين الذين جندهم الإخوان لمقاومة عصابات الصهاينة في أرض فلسطين ورووها بدمائهم الزكية.
جرت بعد ذلك أحداث خطيرة باعدت بين الإخوان وبين دعاة القومية والوحدة العربية، وسالت في الصدامات دماء غزيرة وسجن وشرد الآلاف في معظم الأقطار العربية، ساهم ذلك كله في الالتباس الذى مازال قائماً في أذهان الشباب المسلم حول الموقف المبدئي الذي يجب ألاَّ يختلط بالمواقع السياسية والصراعات اليومية.
ولقد نجح التياران أو العقلاء منهما على الأقل والمتسامحون في تقريب وجهات النظر ثم إنشاء المؤتمر القومى الإسلامى ثم المشاركة في دعم الجهاد في فلسطين والعمل على تحرير الإرادة العربية والدفاع عن حقوق الإنسان، ويأتى إعداد مشروع للنهضة في الوطن العربى في هذا السياق، رغم المشاركة المتواضعة للتيار الإسلامي.
وهناك نقطة فارقة في توجه كل من التيارين، فبينما موقف التيار الإسلامي (الإخوان المسلمون تحديداً) واضح من الوحدة العربية، نجد أن موقف التيار القومى العروبي من الوحدة الإسلامية مازال غامضاًَ وملتبساً بل وأحياناً معارضاً بحدة أو بهدوء، وقد ظهر هذا عند إعداد ومناقشة أبحاث المشروع المقترح، حيث أصر البعض على أن هوية المشروع عربية رداً على اقتراح باعتماد هوية مفتوحة تسمح بعد ذلك بهوية إسلامية.
إن موقف الإخوان من الوحدة الإسلامية قاطع ومحدد، وواقعي في الوقت نفسه حيث يعملون على ما سماه البنا"إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية: بتحرير أوطانها، وإحياء مجدها، وتقريب ثقافاتها، وجمع كلمتها، حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة"، وهم يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التى لابد منها في خطوات:
لابد من تعاون ثقافي واجتماعي واقتصادي تام بين الشعوب الإسلامية كلها.