محمود سلطان
ليس ثمة خلاف على أن ثقافة العولمة تعتمد أساساً على"فكرة النسبية"بمعنى نسبية الأخلاق، القيم، العقيدة، ونسبية الثوابت الوطنية كذلك، فنحن إذ نناقش مخاطر التطبيع ونجرمه ونحرمه، ونبحث سبل مقاومته؛ فإنه في المقابل يوجد من يحله، ويعتبره الحضانة لتأمين مشاريع التسوية في الشرق الوسط، أي باتت المسألة بشأنه"مسألة نسبية"وليس ثمة إجماع على اعتباره"حراماً وطنياً".
قس على ذلك الأخلاق والقيم، ولنأخذ مثلاً مسألة الشواذ، نحن المسلمين نجرم ونحرم، ولكن هناك في العالم من يحل، ويسن التشريعات في أوروبا التي تجيز زواج الشواذ، وتبني الأطفال، وحفظ حقوقهم في الميراث، وذهبت إلى ذلك كنائس غربية.
والمقصود من الاحتكام إلى معيار"النسبية"في تقدير أمور تتعلق بمنظومة القيم التي يعتنقها الإنسان هو هز ثقته في ما استقر في وجدانه الخاص، ومن ثم في الضمير الجمعي بأنه"ثوابت"دينية، أو عقدية، أو وطنية، وما شابه، أي ليس هنالك ثمة ثوابت، ويظل الإنسان محايداً إزاء منظومة القيم الثابتة في ثقافته، أي يتحول إلى فسيفساء واسعة فضفاضة وفارغة، وبمعنى آخر إلغاء"الإنسان الايدولوجيا"ليحل محله"الإنسان الهلامي".
ومع انتشار هذا المفهوم تراجعت الصرامة في قداسة"الحدود السياسية"و"السيادة الوطنية"للدول، لصالح مفهوم"العالم - القرية"، والتسليم بالعولمة ( أمركة العالم) ليس باعتبارها حالة طارئة فرضها منطق القوة والتفوق التقني، وإنما باعتبارها وعلى نحو ما ذهب إليه"فوكوياما"المحطة الأخيرة والنهائية في مسيرة التطور الإنساني.
ورجل الأعمال بطبيعته ينتمي إلى"شريحة اجتماعية"محايدة عادة ما يكون ولائها لـ"السوق"، أو على أقل تقدير تخضع عملية ترتيب الأولويات عنده لمعايير المكسب أو الخسارة، أي أنه أكثر القوى الاجتماعية قابلية لقبول قيم"العولمة"لأنها ستبرر له"حيدته القيمية".
والمشكلة الآن أن رجل الأعمال لم يعد طموحه محكوماً بأطر تجارية محضة، إذ لو كان هذا الطموح عند هذه الحدود فحسب لهان أمره، غير أن المشكلة في أن طبقة رجال الأعمال الآن تتهيأ لتحل محل النخبة السياسية، في إدارة الدولة ورسم سياساتها العامة، وهي ظاهرة كوكبية كونية أصابت مناطق عدة في العالم - بما فيها العالم العربي -، ففي مصر مثلاً شكل الحزب الوطني الحاكم أمانة السياسات، وهي هيئة استحدثها الحزب، في إطار تهيئة نجل الرئيس مبارك"جمال"ليتصدر الصفوف في العمل السياسي العام، وهو رجل اقتصاد عمل في أحد البنوك البريطانية، ويتردد أنه يحمل الجنسية البريطانية، وعضو في الوقت ذاته بحزب العمال البريطاني.
أمانة السياسات تحولت بمضي الوقت إلى أقوى هيئات الحزب، والمهيمنة على اتجاهات الرأي العام فيه، وتحولت أيضاً إلى ناد لرجال الأعمال من الذين يحتكرون تقريباً السوق المصري، ويرسمون من خلاله السياسات العامة للدولة، وشكلت ما يقرب من 70 % من الحقائب الوزارية في الحكومة الحالية برئاسة د. أحمد نظيف، فضلاً عن أنها - أي أمانة السياسات بأعضائها من رجال الأعمال المصريين - ترتبط مصلحياً بالمشروع الأمريكي في المنطقة العربية، والذي ينطلق أساساً من إستراتيجية أمريكية ثابتة، ولها الأولوية القصوى لصانع القرار الأمريكي، وهي لي عنق الأنظمة العربية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لحملها على قبول الكيان الصهيوني كـ"دولة"طبيعية في المنطقة.
ومثال آخر من فلسطين: حيث تتشكل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة من"طبقة رجال الأعمال"، فجميل العطيفي كان وزيراً في حكومة أحمد قريع، ونجله"يوسف"أصحاب شركة العطيفي، ويتزعمان أكبر شبكة لتهريب الأسمنت والأسلحة والسكر.
محمد دحلان يعتبر رجل أعمال، إذ تقدر بعض المصادر ثروته بـ 53 مليون دولار، ويمتلك فندق الواحة بغزة والذي يعتبر الفندق رقم واحد بين فنادق الـ 5 نجوم في الشرق الأوسط.
محمد رشيد المستشار المالي للوزير الفلسطيني الراحل عرفات، له اسم آخر"خالد إسلام"، يحتكر الوقود بالسلطة الفلسطينية، وكذلك نبيل شعث، وأحمد قريع (أبو العلاء) : يمتلك الأول"الشركة المصرية لاستيراد الحواسب"، فيما يملك الثاني شركة"رنتل كار"لسيارات الأجرة.
وكما أشير سلفاً فإن الظاهرة عامة، ولا تختصر في العالم العربي وحسب، ففي الولايات المتحدة الأمريكية فإن بوش ومن قبله أبوه وجده، وديك تشيني، ورامسفيلد، وكونداليزا رايس جميعهم يرتبطون بشكل أو بآخر بإمبراطورية النفط في بلادهم والمكونة من شركات ضخمة لها استثمارات بمليارات الدولارات في العالم، وفي إيطاليا يرأس الحكومة الحالية الملياردير ورجل الأعمال بيرلسكوني.