صفاء الضوي العدوي [1]
المتابع لجرأة العلمانيين، واعتدائهم على أصول الإسلام وشرائعه في دياره في هذه الأيام يجد نفسه حيال هذه الظاهرة العجيبة مدفوعاً للتساؤل: كيف أمِن هؤلاء العلمانيون على أنفسهم من غضبة الشعب المسلم، وإنكار العلماء عليهم؟ وكيف اطمأنوا إلى أن الوالي لن يغضب لله، فيقوم بواجبه في حماية الدين وحفظ حرماته، وردع الزنادقة، وقطع دابر المفسدين، وهي المهام الأصلية للحاكم المسلم التي لو قام بها لما جاز لأحد أن يخرج عليه؟!.
إن المسلمين يتلقَّوْن هذه الإهانات صباح مساء، ويسمعون ويقرأون تلك الاعتداءات على أصول دينهم بحزن وأسى وغيظ، ويحبسون في صدورهم - حتى الآن - غضباً كبيراً، لا يعلم إلا الله متى ينفجر.
وإن العلماء والدعاة والصالحين يُنكرون هذه الأقوال الشنيعة، ويجأرون بالشكوى إلى الله من غربة الإسلام في دياره، بعدما يئسوا من جدوى الشكوى إلى الحكام.
إذ لم يعد كثير من حكام المسلمين يشعرون بالمسئولية أمام الله، كما أنهم أصبحوا لا يأبهون بسُخط شعوبهم، ولا يحفلون بدروس التاريخ وعِبَره إن كانوا قرؤوه. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى مراء، بل يدركها المراقب المنصف دونما جهد أو عناء.
فبعد أن كان الحكام والعلماء والشعب المسلم صفاً واحداً، يعظِّمون الدين، ويلتزمون أحكامه، ويطَبقون شرعه، ويشيعون أخلاقه، ويحافظون جميعاً بعزم وصدق على وحدة الأمة، باتوا - وياللحسرة - صفَّين!: صفّ العلمانيين ومعهم معظم الحكام والمتنفذين، يشيعون المفاسد، ويجرئون الزنادقة، ويبعثرون جهود الأمة في صراعات داخلية لإلهائها عن أعدائها المتربصين بها من اليهود والنصارى. وصفُّ الشعب المسلم ومعهم العلماء والدعاة والصالحون، يدافعون في ذهول عن دينهم بجهد ضعيف، وتخطيط هزيل بسبب ما يمارس عليهم من مكر وكيد بل وكافة صنوف القهر والاضطهاد.
أما الشعوب فيدوخونها بالركض ليل نهار في طلب لقمة العيش، هذا فوق ما يمارسونه على الضعفاء من أبناء المسلمين من فتنتهم بالشهوات والإغواء عبر ألوان من وسائل الفتنة بالسينما والمسرح والتلفاز والصحف وغيرها.
ولا ريب أن هذه الحملات المسعورة من العلمانيين على الإسلام لم تكن لتظهر فضلاً عن أن تستمر وتُرفع لها الرايات إلا وهي مدعومة من بلاد الكفر في الغرب من خلال برامج الانفتاح، وحرية الرأي، وحقوق المرأة، وضرورة التجديد في الفكر الإسلامي، وغير ذلك من الشعارات الزائفة، والتي أخفوا تحتها كيدهم وحقدهم ومؤامراتهم على الإسلام وأهله.
وفوق دعم الغرب لابد أيضاً من مساندة الأنظمة العلمانية في بلاد المسلمين، وإعطاء الضوء الأخضر لهم. ولا عجب [بعضهم من بعض] .
ويا لغباء العلمانيين، ويا لغفلة هؤلاء الحكام والمتنفذين عن سنن لله لم تتبدل ولم تتخلف على مدار التاريخ!، ومن هذه السنن أن الناس إذا نسوا الله خالقهم، وتركوا شرعه، وعصوا أوامره، استحالت حياتهم إلى شقاء كبير، وبؤس مرير.
ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
ثم نرى المباينة الهائلة والمناقضة التامة بين ما أوجعوا رؤوسنا به من ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، ويعنون بها تماسك الجبهة الداخلية للمواطنين من الأغلبية المسلمة الساحقة، والقلة النصرانية كما هو الحال في مصر، وبين ما هو ضروري لازم من المحافظة على وحدة الأمة المسلمة، وتجنب كل ما يمس هذه الوحدة من مثل ما يفعله هؤلاء العلمانيون من شق للصف وتقطيع للمجتمع.
ولنعد مرة أخرى فنسأل: أليس في تعميق الهوة بين المسلمين بإشاعة هذه الأقوال والأفكار الصادرة عن العلمانيين، والسماح لهم بإظهار معاداتهم للإسلام وشرائعه وأخلاقه تمزيق لوحدة الأمة المسلمة، حيث أصبح الصراع محتدماً بين العلمانيين والإسلاميين؛ فالعلمانيون يتطاولون على الشريعة، ويمرقون من الالتزام بأحكامها، ويوجهون سهامهم المسمومة، وأفكارهم المنحرفة للقضاء على الخلق والفضيلة، ويثيرون البلبلة والتشكيك في أوساط الشعب المسلم بما امتلكوا من وسائل التأثير والتوجيه في الصحف والإذاعة والتلفاز وغيرها، حيث يعبثون فيها بجهل وخبث بقضايا إسلامية حسمها القرآن والسنة، وانتهت إليها قرارات المجامع الفقهية في العالم الإسلامي، بل إن بعضهم وصلت به الجرأة والزندقة والوقاحة أن يتطاولوا على شخص النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في حادثة ذلك الدكتور الكويتي الأثيم.
لقد أصبح في المجتمع إسلاميون وعلمانيون؛ إسلاميون يدافعون عن الإسلام وشرائعه وقيمه وأخلاقه، وعلمانيون كارهون للإسلام وشرائعه وقيمه وأخلاقه وثوابته.
خصمان اختصموا في ربهم، ومع الفريق الأول وقف الحكام يؤيدونهم ويناصرونهم.
ومع الفريق الثاني رب هذا الدين تبارك اسمه.
وها هي وحدة الأمة يضربها العلمانيون وحلفاؤهم في الصميم.