إنهم يسعون جاهدين في جعل الأمة تتقبل باطلهم، إن هدفهم هو أن تفقد الأمة هويتها وذاتها، وذلك بالدعوة الدؤوبة إلى أن نتلقى من الغرب الكافر أسس الحياة، وأن نصبغ مجتمعاتنا المسلمة بما صبغ الغربيون به مجتمعاتهم من اللادينية وانعدام القيم، وإطلاق الشهوات دون رادع أو ضابط، والانفكاك من قيود الدين والأخلاق، ولهذا كان أشد ما أصابهم، وأحبطهم هو عودة الوعي إلى شباب الأمة، والذي تمثل في هذه الصحوة الإسلامية المباركة، والتي أبت إلا الرجوع بصدق ووعي وقوة إلى الإسلام وقيمه وأخلاقه.
إن هؤلاء العلمانيين في بلادنا هم فلول من التائهين، أخذوا شيئاً من الثقافة الغربية، وجهلوا حقيقة الإسلام، إنهم حصاد الهشيم لذلك الزرع المرّ الخبيث الذي زرعه أساتذتهم الذين خانوا أمتهم ودينهم وأوطانهم، من أمثال لطفي السيد، وسلامة موسى، وقاسم أمين، وباقي أفراد العصابة الآثمة التي طعنت أمتها، وقدمت للأعداء أعظم الخدمات.
لقد تربوا على كره الإسلام ومخاصمته، فلم ينظروا فيه ولم يتعرفوا على عظمته، ولم يهتدوا بنوره، فهم جهلة به، والمرء عدو ما يجهل، لقد استحضروا في أذهانهم حال النصرانية في أوروبا في عصورها المظلمة، وما كانت عليه الحال من فساد الكنيسة وطغيانها، واشتعال الصراع النكد مع العلم، واضطهادها للعلماء، وفشلها الذريع في مواكبة التقدم العلمي في العصر الحديث، ونبْذ الغربيين للكنيسة من حياتهم وإقامتها على أساس القيم المادية النفعية فحسب، حيث كانت الكنيسة تمثل كابوساً بغيضاً؛ مهيناً للإنسان، معطلاً لعقله. ثم ما حصل لهم بعد ذلك من التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي. فراح هؤلاء الجهلة يسقطون واقع الغربيين على واقعنا نحن المسلمين، وصورت لهم أذهانهم الضعيفة، وجهلهم بتاريخ المسلمين، أن بقاء الإسلام في ديار المسلمين هو العقبة أمام التقدم والازدهار، وعموا وصموا عن إنجازات المسلمين الأوائل في مجال العلوم الإنسانية في مجالاتها المختلفة، وأن سبب الركود والضعف والتأخر الذي أصاب المسلمين هو نتيجة طبيعية وحتمية لتخليهم عن دينهم، والسماح له بالغياب عن واقع حياتهم، وابتعادهم عن الفهم الصحيح للإسلام اعتقاداً وسلوكاً، فجاءوا بمعاولهم، وراحوا يهدمون.
فماذا كانت النتيجة، تنامت عقدة النقص عند هؤلاء فبالغوا في جرأتهم على قضايا الدين، وتقاعست الأمة في الأخذ على أيديهم، فباضوا وفرخوا، واستفحل خطرهم في المجتمعات الإسلامية، وساعدهم أسيادهم من اليهود والنصارى على الوصول إلى المناصب العالية والاستيلاء على مراكز التوجيه والتعليم والتأثير، وانطلقت مسيرتهم المشئومة تعصف بالأخلاق، وتهز أركان الإيمان، فلم تترك فضيلة إلا جهدت في توهينها في النفوس، ولم تترك رذيلة إلا سعت إلى تهيئة الناس لتقبلها، ليتحقق لهم ما أرادوا من تقليد الغرب، لنتقدم مثلما تقدم، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، لم يبالوا بما وقع، حيث خرجت أجيال ممسوخة لديها قدر كبير من القابلية للذوبان في غيرها، سريعة الفقدان لهويتها وقيمها وأصالتها، وهو ما يسميه مالك بن نبي قابلية الاستعمار، ويسميه المودودي قابلية الاستعباد! أرأيت كيف انكشف هؤلاء وظهرت خيانتهم؟!.
إنها صورة عجيبة تدعو إلى الرثاء، أمة كريمة بدينها وتاريخها، استسلمت للنوم دهوراً فانتكست، وتخلفت، وسيطر عليها أعداؤها، استيقظ الآن نفر من أبنائها، وأبصروا الأهوال، وأدركوا الأخطار، فراحوا يوقظون أمتهم، فتصدى لهم هؤلاء، يعرقلون سعيهم، ويستعدون عليهم أعداء الأمة، ينبهونهم إلى خطر الأصولية الإسلامية في بلاد المسلمين. أرأيتم كيف فضحهم الله، وكشف لنا خيانتهم؟!
إنها أزمة بكل معنى الكلمة، ولا سبيل للخروج منها إلا بأحد أمرين: الأول، أن يقال للشعب وللعلماء: اتركوا دفاعكم عن الدين، واقبلوا أُطروحات العلمانيين المنحرفة، وعيشوا بلا دين ولا أخلاق، وهذا ضرب من المحال أكيد، ونوع من الانتحار خطير.
وإما أن يُكبت العلمانيون ويزجروا ويردعوا عن الزندقة والتجرؤ بجهل وخبث على أصول الدين وشرائعه وأخلاقه، وتترك الأمة لتكمل مسيرتها في العودة إلى دينها في ثبات وثقة، ويتولى أمرها عقلاؤها وصالحوها، ويُعطى لعلماء المسلمين مكانتهم اللائقة بهم، ويختار منهم للفتوى والتوجيه وقيادة المؤسسات العلمية الإسلامية خيرة الشيوخ، ويضرب على أيدي المفسدين في المجتمع، ويُقدم الصالحون؛ أنصار الحق والفضيلة، ويُؤخر الانتهازيون؛ أنصار الباطل والرذيلة.
وهذا - والله - سبيل النجاة الوحيد، إما هو، أو الطوفان، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..
[1] - ماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة البنجاب، من أهم مؤلفاته؛"إتحاف القاري في اختصار فتح الباري [5 مجلدات] "،"غبطة القاري بإحالات فتح الباري [مجلد واحد] "،"إهداء الديباجة شرح سنن ابن ماجة [5 مجلدات تحت الطبع] ".
ذو القعدة 1420 / فبراير (شباط) 2000