فهرس الكتاب

الصفحة 733 من 27364

عبد الرحمن فرحانة

العمل الخيري ضرورة شرعية وإنسانية:

سنن الاجتماع تنبئ أن تفاوت النسق الاجتماعي المعيشي بين شرائح المجتمع حقيقة ثابتة (ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات) وهي سنة لازمة تؤدي غرضًا وظيفيًّا في بنية المجتمع. ولكن هذا التفاوت سيفرز شرائح قدرها أن تعيش في قاع المجتمع أو على أطرافه، ولتحقيق مبدأ السلام الاجتماعي وخوفًا من الصراعات والاحتقانات الطبقية لا بد من آلية لصيانة المجتمع وضبط إيقاعه المعيشي بغية تعديل ميزان العدالة الاجتماعية، وهذه من أسمى مهام العمل الخيري.

وظائف العمل الخيري لا تقتصر عند هذا الحد؛ بل يتسع نطاقه ليشمل بعض المناشط التي تتكفل إدارتها - في العادة- مؤسسات المجتمع المدني، وتختلف أنماط هذه المناشط بحسب طبيعة المجتمع وثقافته، لكنها على الأغلب تشمل برامج ثقافية وتربوية ودعوية وإغاثية بحتة وغيرها..

وفي الحالة الإسلامية تقوم فلسفة الزكاة وغير ها من منظومة الصدقات في التشريع الإسلامي على مبدأ ملء الفراغ الناتج عن الحركة الاقتصادية للمال بسبب التدافع الإنساني وفق نسب حسابية منضبطة حددها الشارع وبحسب معايير موضوعية ثابتة. والقطاع الخيري بمؤسساته هو الآلية المعاصرة لإدارة هذا المال وتوزيعه على المناشط التي تخدم حركة المجتمع وأفراده. وفي الحضارة الإسلامية يعبر الوقف الإسلامي عن أقدم تجربة ناضجة في ممارسة المجتمع المدني لمهام خاصة بعيدًا عن تغوّل الدولة وهيمنتها، وذلك قبل أن تعرف الحضارة الغربية مثل هذا النسق من الأداء الاجتماعي.

لماذا العمل الخيري الإسلامي في دائرة الاستهداف؟

تعيش المنطقة العربية والإسلامية حالة فراغ سياسي وأمني غير مسبوقين، وفي فضاء هذا المناخ غير المتوازن وبسبب طبيعة الأنظمة السياسية السائدة عجزت الدول القطرية بالمنطقة أن تقوم بشكل فاعل بالكثير من المهام، خاصة ذات الإطار الإسلامي مثل: مناشط الدعوة الإسلامية، والدعم اللوجستي الإنساني للساحات التي يتعرض فيها المسلمين للاضطهاد والتقتيل.

ونظرًا لأن العمل الخيري الأهلي الإسلامي يتمتع بحرية الحركة ولا تقيده ضرورات الدول والتزاماتها السياسية، وبسبب النجاحات التي حققها في كافة بقاع المعمورة خاصة في مفاصل تعتبرها الدوائر السياسية الغربية نشاطًا محظورًا بحجة التصاقها بما تسميه هذه الدوائر بظاهرة الإسلام السياسي. من أجل ذلك ولجملة أخرى من الأسباب تحرك اللوبي اليهودي لدفع الإدارة الأمريكية وبالذات الحالية وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر لمحاربة العمل الخيري الإسلامي بدعوى محاربة الإرهاب. وكنموذج من هذه الحملة ما قاله (ماثيو ليفيت) من اللوبي اليهودي - الليكودي- أمام اللجنة القانونية الفرعية للإرهاب والتكنولوجيا والأمن الداخلي في الكونجرس الأمريكي، إذ يقول في شهادته:"إن كل جمعية إسلامية سمعت بها في الولايات المتحدة هي واجهة لمنظمات إرهابية أو تمول الإرهاب، كما أنه يزعم أن"السعودية تمول الجماعات الإسلامية المتطرفة في الولايات المتحدة التي تمول بدورها الإرهاب"."

القطاع الثالث في أمريكا و"إسرائيل":

يطلق على العمل الخيري في أمريكا و"إسرائيل"القطاع الثالث، وهو يحتل مساحة واسعة من نشاط مؤسسات المجتمع المدني في هاتين الدولتين، ففي"إسرائيل"حوالي 30 ألف جمعية تعمل في هذا القطاع وفق إحصائية رسمية لعام 2003م. وبناءً على الإحصاءات الرسمية لعام 1995م بلغ حجم المناشط التي أنجزها هذا القطاع 11 مليار دولار أمريكي، أي ما يساوي حوالي 13% من الناتج المحلي، ويعمل فيه ما يقرب من 145 ألف شخص بشكل رسمي بالإضافة إلى 177 ألف متطوع، علمًا أن معظم إيرادات العمل الخيري"الإسرائيلي"تتدفق من القطاع الحكومي وتبلغ ما يقارب 64% من حجم هذا القطاع.

وبخصوص القطاع الثالث بالولايات المتحدة؛ فيضم في إطاره 1.514.972 منظمة وجمعية، ويتم الترخيص يوميًّا لـ 200 جمعية تعمل في هذا المجال. وينتظم في هذا القطاع قرابة الـ11 مليون نسمة، بينما تبلغ إيراداته حوالي 212 مليار دولار سنويًّا. ويعتبر الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب تبرعًا للقطاع الخيري، وكمثال على ذلك وقفية (بيل غيتس) وزوجته (مليندا) الذي يبلغ رأس مالها 24 مليار دولار.

الآليات القانونية المتبعة لمحاربة العمل الخيري الإسلامي:

عملت أمريكا بدفع من قوى اللوبي اليهودي على استصدار منظومة من القوانين لمحاربة العمل الخيري الإسلامي منها:

-قانون الإرهاب: ويستهدف هذا القانون تجريم حركات التحرر الوطني ونزع الصفة الإنسانية عن أفرادها وتحييد كافة القوانين الدولية التي توفر لهم الشرعية والحماية مثل معاهدة جنيف وأسرى الحرب وغيرها.

-قانون الأدلة السرية: وتمت صياغته لمحاربة كافة القوى غير المتوافقة مع السياسة والمصالح الأمريكية، سواء كانوا أشخاصًا أو جماعات أو دولًا لحرمانهم من الحقوق القانونية بنزع صلاحيات المحاكم والقضاء المدني لتجريد الخصم من قدرته عن الدفاع عن نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت