فهرس الكتاب

الصفحة 5087 من 27364

الحجاب والقلادة:انهيار العلمانية في مفهومها كراعية للحريات*

د. خالد الطراولي**

أزمة الحجاب ..إعلان نهاية العلمانية كمدافعة عن الحريات

عاشت فرنسا منذ نهاية الصيف حملة كبيرة وتجاذبا للأفكار وأخذا للمواقف تجاه ما اصطلح على تسميته بقضية الحجاب في المدارس، ورغم الإطار الجامع الذي وُضعت فيه هذه المسألة من حديث حول تحديد اللائكية (العلمانية) اصطلاحا وتعاملا، ورغم محاولة استبعاد حصر الحديث حول الحجاب الإسلامي أو الخمار وتوسعته ودفعه إلى الحديث عن غزو الرموز الدينية في المعاهد، فإن الدافع الأساسي ولعله الوحيد وراء كل هذا الزخم من المقالات والمواقف والرؤى والإحصاءات المتوالية في المقروءات والسمعيات والمرئيات، وراء كل هذا دون مواربة ولا إخفاء هو الحجاب الإسلامي.

لقد حملت هذه الظاهرة حوارا ونقاشا طال كل الأطراف والمواقع، بين قابل ورافض، وبين مساند ومعاند، بين متشدد وميسر، بين ظاهر وباطن، وظهرت المواقف والرؤى والأطروحات متناقضة ومختلفة اختلاف النسيج السكاني الفرنسي. أسئلة كثيرة وكبيرة طرحت وأصبحت الجمهورية نفسها في خطر، وأصبح الحجاب رمز رايات في معركة غاب فرسانها وكثر لغطها، وكان ضحاياها فرقة وطائفة وجنس.

وبعيدا عن النقاشات البيزنطية والجدال العقيم الذي حفل بعض ثنايا هذه الحملة، فإن مفارقات عجيبة ولحظات وعي ومحطات لا وعي، قد اصطحبتها والتي جعلت الأسئلة المطروحة تفتح على مزيد من الأسئلة، وتؤدي غالبا إلى أجوبة غير منتظرة، أو تزيد الأمر تعقيدا وغرابة، وتقلص مراحل الوعي والمعقول، وتزيد درجات اللاوعي والعاطفة والشعور.

المفارقة الأولي: لحظة الوعي المغشوشة

لما انطلقت الحملة، كان للمجتمع المدني بكل أصنافه ورواده مساهمة ودور أساسي في اندلاعها وتواصلها، وشهدت الصحف الفرنسية مقالات يصب أغلبها حول غزو الحجاب للمدارس والخوف والريبة من انتشاره، ولعل أطرافا وتجمعات سياسية وغيرها ساهمت في الدفع في هذا الاتجاه، بأغراض سياسوية أو انتخابية أو عقدية. كانت هذه المحطة هامة في المسار الذي سوف تأخذه القضية، ففي هذه المرحلة من المراكمة للأفكار والأطروحات، ظهر دور المجتمع المدني ولو في بعض الأحيان تحت ضغوطات مشبوهة وتوجيهات مبطونة كما عنيناه سابقا، إلا أنه مثل تكريسا لمكانة هذا الطرف في ولادة حوار وتزاوج للأفكار في داخله، وعدم استبطان كل ما يمسه عن قريب أو من بعيد في تاريخه أو في ثقافته أو في يومه وغده.

ظهر الحوار علنيا رغم حساسيته، وظهرت الجمهورية في أحلي زينتها. تلت هذه المحطة انتقال فوري لهذا النقاش إلى ميدان أكثر رسمية وعلته الصبغة الجدية والقانونية، إذ أخذت الدولة على عاتقها تحويل هذا الحوار من تجاذب بريء وشبه طبيعي، إلى حوار ضيق بين مختصين ومعنيين مباشرة بالحجاب في تنظيراتهم وأعمالهم الفكرية، أو من يمسهم من خلال تواجدهم على عين الواقع، وكانت لجنة ستازي للحكماء التعبير الرسمي والقانوني لهذا المسار في مرحلته الثانية. التقت هذه اللجنة حسب الساهرين عليها بما يقارب المائة من المدعوين واستمعت إلى مرافعاتهم وتشكل على إثرها رأي حملته الأغلبية الساحقة (19 من 20 حكيما ) حول ضرورة إصدار قانون ضد منع تواجد الرموز الدينية داخل المدارس العامة، وتم تسليم كتاب أبيض لرئيس الجمهورية حمل رؤى اللجنة وتوجيهاتها ونصائحها. انتهي دور المجتمع المدني في هذه المرحلة بكل إيجابياته وسلبياته، وكانت المرحلة الموالية إصباغ الرداء الرسمي والجمهوري للموقف في أعلى مستويات الدولة، فأخذ اقتراح التقنين مساره الطبيعي نحو مجلس النواب الذي سوف يؤكد هذا الاتجاه، نظرا لالتقاء الحكومة والمعارضة حول ضرورة منع الرموز الدينية الظاهرة أو البارزة في المدارس العمومية، وهي المحطة الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي في أخذ القرار.

كانت هذه المراحل تأكيدا لجدوى وفعالية مشاركة الجمهور في أخذ قراراته، وهو رمز إيجابي لدور الديمقراطية، رغم بعض عللها، في إنشاء صرح وفاقي حول مواضيع ومواقف تهم الشعوب في ذاكرتها وفي معاشها. كان درسا موجها إلى كل مجتمعات الاحتضار والظلم، كان درسا لمن غيب المجتمع وأعلن جمهوريات الوراثة والتعيين والسكون، كان لفتة إلى من كبل المجتمع المدني أو احتواه أو قزمه أو همشه أو محاه، كان كل هذا درسا في الوعي والتحضر، وغلبة مسارات المشاركة الجماهيرية، وهيمنة دولة القانون والمؤسسات على من سواها...ولكن... كان هذا المسار الديمقراطي في دولة القانون وحقوق الإنسان لحظة وعي ولا شك، غير أن حقائق مفزعة، وألوان غير زاهية، ومنعطفات غير واضحة، ومنطلقات غير سليمة، ومرجعيات واهية، وأهداف غامضة، وأعمال جانبية مناقضة، خيمت على هذا اللبوس المثالي، وعلى هذه المسارات المغشوشة، وهنا بيت القصيد وهنا مربط الفرس. فغابت حقيقة الديمقراطية وظهرت قشورها، وغابت اللائكية وظهرت أنيابها، وغاب الوعي والعقل، وهيمنت العاطفة في بعض الثنايا والأوحال، وغابت جمهورية الجميع على حساب فرقة وأقلية وجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت