فهرس الكتاب

الصفحة 5301 من 27364

د. بدران بن الحسن 21/4/1426

أم لم يعرفوا رسولهم؟

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) [المؤمنون: 69] ، هذه الآية تشكل في الحقيقة مسوغًا هاماً لنا في تناول شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك أن معرفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سيرته وفي سنته وفي شمائله من أهم الأمور التربوية التي تساعدنا على الاقتداء ب صلى الله عليه وسلم . فإنه لا توجد سيرة أخرى أجدى بأن تُقتدى ويُحتفل بها مثل سيرت صلى الله عليه وسلم . وفي تاريخ البشرية كلها لا نجد حياةً نُقلت إلينا تفاصيلها، وحُفظت لنا وقائعها في وضوح كامل، وتفصيل عميم شامل كما حُفظت، وكما نُقلت إلينا حياة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - رسول الله ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين، فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألّقت على محيّاه، وكل دمعة تحدرت من مآقيه، وكل مسعًى سار لتحقيقه، وكل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره، وأسرار بيته، وأهله، نُقل إلينا موثّقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من توثيق وتدوين.

ولا عجب في هذا، فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً، وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار، لا بالنسبة إلى عصره فحسب، بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال.

إن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، وجوانب شخصيته، ونتائج دعوته درس لكل سالك إلى طريق الله، وكل قائد أو مربٍّ أو رب أسرة أو سالك أي سبيل من سبل الخير إلى أن ينقطع الزمان.

وفي الحلقة السابقة تناولنا صفة الرحمة في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي هذه الحلقة ننتقل إلى صفة أخرى لا تقلّ تميّزاً عن الأولى، ولكن تسلك بنا طريقاً آخر لإدراك أحد أهم أبعاد شخصيت صلى الله عليه وسلم ، وهو المحبة. فكيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل محبة؟ وما هي الجوانب التي شملها هذا الخلق العظيم؟ وما موقفنا نحن تجاه محبته؟

منهجه يدعو إلى مجتمع المحبة:

إنها لصورة قاتمة باهتة مخيفة تلك التي رسمها البعض للإسلام في أذهان الناس حتى صار الناس يخافون من الدين ومن التدين؛ لأنهم يظنونه شيئاً قاسياً لا يرحم، وأتباعه غلاظ لا يلينون، وأحكامه سيف قاطع على الرؤوس.

وقد استثمر المستشرقون الموقف، واتهموا النبي - صلى الله عليه وسلم - والإسلام بالحقد والكراهية، وكل أوصاف التجهم والتعصب والعنف، حتى لكأنها صارت حقيقة، وأُسقط في أيدينا، وظن بعضنا أن هذا الزيف حقيقة.

ولكن الحقيقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نور يُستضاء به في ظلام الجاهلية، ومحبة خالصة تؤلف بين القلوب، وأن الإسلام شمس مضيئة أنارت ظلام الجاهلية، وهو دين الحب والأمل و الحياة واليسر، و شرائعه هي شرائع الحق والعدل، وأحكامه هي أحكام الحياة.

وللقيمة الرفيعة لخلق الحب والمحبة في الحياة، وأهميته في تحقيق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى لتحقيقه بوسائل متعددة، وربّى أصحابه وأمته على هذه النفسية الراقية، وحث على إشاعته بين الناس، ببناء كل العلاقات على أساس من الحب؛ حبّ الله، وحب الخير، وحب الصلاح والصالحين، وحب الإنسانية.

وبعبارة أخرى فإن نهج صلى الله عليه وسلم ، وحياته كلها دعوة للتحابب. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه مسلم في كتاب الإيمان:"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا . أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم".

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل . وشاب نشأ بعبادة الله . ورجل قلبه معلّق في المساجد . ورجلان تحابّا في الله: اجتمعا عليه وتفرّقا عليه . ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله . ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله . ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه". فمن الناس الذين يصلون إلى تلك المرتبة العالية يوم القيامة (ورجلان تحابا في الله ) فاجتمعا على حب الله وافترقا على حبه . بمعنى أن سبب اجتماعهما حب الله، واستمرا على ذلك حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً فتفرّقا بموت أو سفر أو غيره، وهما صادقان في حبّ كل واحد منهما صاحبه لله تعالى، حال اجتماعهما وافتراقهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت