إدريس جالو*
إلى أين يذهبون بالأسرة المسلمة؟! أنجبت القارة الأفريقية الكثير من العلماء والمفكرين في جميع المجالات، ولكن لم تستفد منهم إلا قليلا؛ بل لقد أصبحوا وبالاً عليها، بحيث هاجر ثلثين من هؤلاء المفكرين والأكاديميين إلى بلدان غربية متقدمة، فقضية الهجرة رغم أنها لا تخص أفريقيا فقط إلا أننا نخصص هذا المقال لأفريقيا باعتبار أن جميع الدول الأفريقية دول نامية وأحوج ما تكون لعقولها المؤهلة في جهود التنمية، فهجرة العقول الأفريقية هي عبارة عن إهدار للموارد الشحيحة أصلا للدول الافريقية، والعائق الرئيسي الذي يقف في طريق تنمية هذه الدول؛ فقد ظلت الدول الأفريقية تصرف نسبة عالية باستمرار من رأسمالها البشري لصالح الدول الغربية المتقدمة بصورة تؤثر على بناء قدراتها اللازمة لإحداث التنمية، لأن زيادة الإستثمار لزيادة القدرات يقابله نزيف من القدرات بهجرة العقول الأفريقية ذات الكفاءة العلمية والمهارات العالية، لذلك مهما تبذل الجهود لبناء القدرات في الإسراع في خطى التتنمية فإن عائق الهحرة يعمل على هدمها بصورة مستمرة، تجعل القدرات الأفريقية دوما أقل مما ينبغي وتطيل أمد توفير القدرات اللازمة لاحتياجات التنمية وترجع أسباب هجرة العقول الأفريقية إلى عاملين أساسيين: العوامل الطاردة والجاذبة؛ فالعومل الطاردة هي:-
* عدم الحصول على دخل مقنع يمكن من العيش في المجتمع بصورة محترمة تحفظ كرامته وسمعته الحسنة.
* عدم توفر متطلبات العمل الفنية والأجهزة التي تمكن من تفجير الطاقات العلمية والفكرية والبحثية الكامنة في العلماء والاكاديميين والمتخصصين.
*عدم اتاحة فرص العمل والتنافس الشريف؛ باختصار (الفساد الإداري بكل ما يحمله من معاني) .
*عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي بسبب الصراعات وما تحدثه من عدم الاستقرار النفسي على الفرد.
أما العوامل الجاذبة للعقول الأفريقية في الدول المتقدمة:-
* سعي الدول المتقدمة لإغراء العلماء والمهنيين والمتخصصيين من الدول الأفريقية بتقديم كثير من الحوافز التي يفتقدونها في بلادهم، وارتفاع مستوى المعيشة في المجتمعات الغربية المتقدمة يرضي طموحات العقول الأفريقية.
* توفر متطلبات العمل المهني المتخصص بصورة تمكن العلماء من الابداع وتفجير الطاقات، كما أن الدول الغربية تشجع -هجرة العقول الأفريقية إليها للاستفادة من علمها وقدراتها باعتبارها كفاءات عالية وجاهزة لا يتطلب منهاالصرف المالي لإعدادها، و كذالك باعتبارهم أيدي عاملة رخيصة، وفي هذا الصدد نستشهد بما قاله الدكتور أريدو الاستاذ بجامعة أديس أبابا:"تفقد افريقيا 4 بليون دولار أمريكي سنويا مقابل من يغادرها من المهنيين للعمل في الدول الغربية، إذ"يغادر قارة أفريقيا سنويا 200000 من المهنيين"، وتقول كاترين كاوان لو التابعة لمنظمة الهجرة العالمية"إ أو ام"؛ أن هناك من العلماء والمهندسين الأفارقة في الولايات المتحدة أكثر مما هو موجود من هذه الكوادر في أفريقيا"، ويدعم هذا القول الدكتور أدوكات بروفيسور الاقتصاد المشارك في جامعة ياوندي بالكاميرون بقوله:"معظم المهاجرين من الكاميرون من أساتذة الجامعات والمهنيين، يهاجرون إلى أمريكا الشمالية وغرب أوربا".
وفي نفس هذا الاتجاه؛ جاء تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية يوضح"أن 600-700 طبيب غاني يعملون في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين، ويمثل هؤلاء حوالي 50% من جملة الأطباء الغانيين، وتقول كذلك منظمة الهجرة العالمية أن إثيوبيا فقدت 74.6% من رأسمالها البشري خلال الفترة 1980-1990م، ومقابل كل بروفيسور في الاقتصاد في إثيوبيا يوجد أكثر من 100 اقتصادي إثيوبي في الولايات المتحدة."
وهذا عبارة عن نماذج لما يحدث من نزيف في كوادر القارة؛ فالقارة تفقد أبناءها المؤهلين الذين صرفت أموالا طا ئلة لإعدادهم داخل القارة أو خارجها بالهجرة المستمرة إلى الدول المتقدمة، هذا النزيف الدائم من العقول الأفريقية معول يهدم باستمرار بناء القدرات الأفريقية التي يؤمل أن تشارك مشاركة إيجابية في جهود التنمية في أفريقيا.
تقول اللجنة الاقتصادية لأفريقيا:- خلال الفترة من 1985-1990م فقدت أفريقيا حوالي 600.000 من أطباء وأساتذة جامعات ومهندسين وغيرهم من المتخصصيين بسبب الهجرة، كما أورد الدكتور بن باركا في عام 1993م عن أوين قوله"يوجد في المملكة المتحدة 134.000 أفريقي منهم 14.500 يحملون الدرجة الجامعية الأولى في حين أن 4600 يحملون درجات فوق الجامعية"، وتشير دراسة أعدها البنك الدولي في عام 1995م أن 30% من العمالة ذات المهارات العالية في أفريقيا هاجرت للدول الصناعية خلال 1960-1978م وتقول نفس الدراسة"أن حوالي 23.000 أكاديميا وعدد 50.000 فرد من ذوي المهارات الوسيطة والعالية من الإداريين يغادرون أفريقيا سنويا لرواتب أعلى وظروف عمل أفضل."
الآثار الناجمة عن هجرة العقول الأفريقية:-