جمال سلطان 21/2/1424
النهاية المدهشة التي انتهت بها حرب الولايات المتحدة في العراق، بهزيمة سريعة منكرة لصدام حسين ونظامه السياسي وتاريخه الدموي الاستبدادي، أفرزت الكثير من الدلائل، وجلت العديد من الحقائق التي طمرت في خضم العواطف الإسلامية التي تعصف بالوجدان المسلم كلما واجه آلة التجبر والاستكبار الأمريكية في أي بقعة من ديار المسلمين، والذي يهمنا الآن بعد انقشاع غبار المعارك والخيانات، أن نشير إلى أنه بقدر ما يكون تأمل الأحداث والأسى تجاهها، وتحليل جوانبها المختلفة مطلبا ضروريا ورشيدا، بقدر ما يكون تجاهل المستقبل واستشرافه ـ على وجه العجلة وبصفة الأولوية للتفكير الإسلامي ـ خطيئة سوف تورثنا المزيد من المهالك ما لم نتداركها، ومن أجل هذا التوازن بين تأمل ما حدث واستشراف ما وراء الأكمة، كان هذا الجهد ـ غير المكتمل ـ الذي تحمله تلكم الورقة .
حقائق
في تقديري أن أولى الحقائق التي ذكرتنا بها الموقعة الأخيرة هي أن صدام حسين صناعة أمريكية في الأساس، هم الذين أتوا به وحموه، وهم الذين أفشلوا كافة الخطط التي قام بها الشعب العراقي وهدفت إلى الخلاص منه، وتآمروا معه ، وللدرجة التي اعترف فيها القادة الأمريكيون -وهم يعانون في جنوب العراق في بداية الحرب- من أن المشكلة في أن الناس غير مقتنعين بمصداقيتنا في خلع صدام، ويرون أننا سنغدر بهم ونتركهم فريسة له كما فعلنا في السابق، والأمريكيون هم الذين وقفوا وراءه بكل ثقلهم عندما دفعوه إلى إعلان الحرب على إيران، وهم الذين زودوه بالسلاح الكيماوي الذي حسم به الحرب وأرغم الإيرانيين على الصلح، وهم الذين أغروه بفعلته الحمقاء عندما غزا الكويت في تصرف عنتري بائس يفتقر إلى أبسط معاني الإحساس بالمسؤولية، ثم وقفت القوات الأمريكية على حدود الكويت رافضة أن تنزل به العقاب رغم أن العالم كله كان معها آنذاك، كما أن التاريخ الحي سجل لنا أن أمريكا وبريطانيا وفرنسا، هم من تستروا على إجرام صدام ودمويته وقمعه الرهيب لشعبه بما في ذلك استعماله أسلحة دمار شامل ضد شعبه، والقصص في هذا الشأن سارت بها الركبان، فلم يعرف العرب في تاريخهم الحديث حاكما في دموية وإجرام صدام حسين وعصابة البعث، كما تشهد على كبره وغطرسته وتجبره"أوثانه"التي زرعها في كل مدينة عراقية تألها على شعبه وبثا للرعب والخوف في قلوبهم من أي معارضة له ولو كانت همسا، والمقلق أن البعض منا نسي أو تناسى كل ذلك، وافترض أن الرجل تاب وأناب وحمل راية الإسلام من جديد، لمجرد بعض الشعارات التي أتت في لحظة الإحاطة بفرعون"آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين".
قد يحاول بعضنا الآن أن يقول: إنه لم يكن يدافع عن صدام وإنما عن العراق وأرض الإسلام، وربما كان فينا ذلك الرجل، ولكن ما عايشناه وخبرناه -حتى من نخبة من أهل العلم- كان غير ذلك، لقد خدعنا، ثم باعنا الطاغية وباع بلاده وحضارتها لقوات الاحتلال مقابل أن ينجو بأولاده وعصابته والمليارات التي نهبها، في تواطؤ فاضح مع قوات الاحتلال التي ما زالت تزعم ـ للتعمية ـ أنها تبحث عن صدام ومن معه !!، ولو كنا جادين ومبادرين في وقوفنا مع العراق الشعب والحضارة، لكنا وقفنا ـ مبكرا ـ ضد هذا الطغيان، وأعلنا راية الجهاد ـ ولو باللسان ـ ضد القمع والاستبداد، ولكنا ـ نحن الإسلاميين ـ كنا في شغل آخر، نبحث في زلات سيد قطب، وغرائب الألباني، وهفوات بن باز، وعجائب القرضاوي، وأصبح الواحد منا أستاذ عصره في الجرح والتعديل، وملأنا الدنيا ضجيجا فارغا على هذا النحو، ونسينا رسالتنا الحقيقية، والأمانة التي لا تغادر عنق أي واحد منا، لم ننصر مستضعفا، ولم نضرب على يد طاغية ، ولم نرفع راية الحرية، ولم نتقدم طليعة أمة نحو الكرامة الإنسانية التي قررها الحق -تبارك وتعالى- في كتابه"ولقد كرمنا بني آدم"، وأنا هنا أتحدث عن مجمل الحالة وليس عن استثناءات مشرفة هنا أو هناك، لقد تركنا مساحات كبيرة من الفراغ فيما هو خطير وحال، بينما أضعنا أوقاتا وجهودا فيما لم نكلف به، بل تكلفناه .
دروس الموقعة