كوالالمبور - صهيب جاسم - إسلام أون لاين/ 19-1-2001
"إن سبب أزمتكم الاقتصادية التي تبدون عاجزين عن حلها يعود كليًّا إلى محاولتكم تبني القيم والسلوكيات الغربية".. هكذا فاجأ رئيس الوزراء الماليزي د. مهاتير محمد اليابانيين في أول حديث لمسؤول أجنبي رفيع المستوى في طوكيو عن التغريب وأثره في الأزمات التي تعاني منها اليابان اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، والتي تتعمق يوما بعد يوم، وهو ما اعتبر نظرة مختلفة عن كل ما قيل من أحاديث المسؤولين الأجانب واليابانيين في توصيف الأزمة في اليابان، كما علق مراقبون على ذلك بأنه ينبع من كونه مسلما؛ حيث يتميز المسلمون باهتمامهم بقضية التغريب بشتى أشكاله.
وكان قد واصل مهاتير زيارته إلى اليابان يوم الخميس 18-1-2001 حيث زار مصنعا لشركة شارب، وكلية للإعلام والوسائط المتعددة؛ حيث حضر أحد الفصول ليطلع على الأسلوب الدراسي؛ لينقل التجربة لبلاده، لكن الذي لم تسلط وكالات الأنباء الغربية أضواءها عليه خلال زيارته وهو الأهم هو ما جاء في كلمته عن التغريب واليابان والتي تحدث خلالها في صميم الأزمة، بالرغم من أن ذلك كان مقدمة لكلمته التي ألقاها أول أمس الخميس 18-1-2001 عن"أهمية الدور الياباني في نهضة آسيا"في المؤتمر الدولي لصحيفة ماينيشي شيمبون اليابانية، والتي تسلمت إسلام أون لاين نسخة منها.
وكان المنظمون للمؤتمر قد طلبوا من مهاتير أن يتحدث عن تعزيز التفاهم بين اليابان والدول الآسيوية الأخرى؛ لكنه بدأ كلامه عن الحضارة اليابانية المعاصرة بتذكيرهم بسنن الكون في تاريخ الأمم من نهوض وانحدار، مشيرا إلى"الحضارات العظمى وهي في أوج قوتها، كان أصحابها يظنون أنهم باقون بقوتهم إلى الأبد، كالحضارات الفارسية، والرومانية، والمغولية، والإغريقية.. وبريطانيا العظمى التي كانت توقع معاهدات مع ملايا تدوم ما دامت الشمس والقمر والنجوم... لكننا نعلم أن كل هؤلاء قد اندحروا.."
للتغريب جذوره في اليابان:
ومن هنا بدأ مهاتير يتحدث عن أصول التغريب في المجتمع الياباني منذ أيام حكم إمبراطورية ميجي عندما بدءوا لبس الملابس الغربية إلى اعتماد الأنظمة الغربية في إدارة بعض أجهزة الدولة وقال:"واليوم تنسخ اليابان من الغرب الأيدلوجيات، والأنظمة الاقتصادية، والإدارية، وإنني أخشى أن يتكرر ما حصل عندما تحطمت الإمبراطورية اليابانية بنهاية مأساوية؛ لأن نقل الأيدلوجيات الغربية وأنظمتهم قد تأتي بنفس النتيجة". وأضاف:"إن اليابان اليوم تنسخ من الولايات المتحدة باعتبارها بلدا ديمقراطيا وحرا عظيما، فهم حررونا من اليابانيين عندما كسبوا حرب المحيط الهادي (الحرب العالمية وما بعدها) وكنا نظن أننا سنبقى مائلين لأمريكا إلى الأبد، لكن الأمريكان لم يعودوا مُحرِّرين؛ فقد تغيروا وأصبحوا سُلْطَوِيِّين.. إنه من المحزن أن نرى السفارة الأمريكية اليوم في كوالالمبور محاطة بسياج من الإسمنت المسلح، وهو ما لم يكن معروفا إلا عن السفارتين السوفيتية والصينية..".
ثم بدأ بمهاجمة المقلدين لأمريكا قائلا:"لماذا يريد الكثيرون أن يصيبوا أمريكا بالضرر؟! فإذا كان الأمريكان غير محبوبين ومكروهين؛ فهل يستحقون منا تقليدهم؟!.. نحن نعرف أن اليابان مدينة لأمريكا؛ ولكن خمسين عاما مدة طويلة على اليابان أن تبقى بعدها ملتزمة أخلاقيا لأي أحد.. وإذا كان هناك الكثير من الأمور التي على اليابانيين اتباع أمريكا فيها؛ فهناك الكثير من الأمور التي عليها رفضها أيضا، مع أنه ليس كل شيء أمريكي سيِّئًا"فالأمريكان علموا اليابانيين الانتقال من الصناعات الرخيصة إلى التقنيات الحديثة.
مخالفة الغرب سبب النهوض:
ثم امتدح استقلالية بناء النظرية التسويقية لليابانيين في بداية النهوض، والذين طوروا من النوعية وحافظوا على تنافسية السعر خلافا للأمريكان؛ مما ساعد الدول الفقيرة على استخدام التقنيات الحديثة بسعر مناسب، وحرك النمو الياباني"لكن الغرب لن يتسامح مع اليابان بسب غزوها البضائعي لأسواق أوروبا وأمريكا، غير أن الدول الفقيرة كانت ممنونة لليابانيين الذين لولا انتشار سياراتهم؛ لبقيت الكثير من الشعوب تعيش حياة بدائية ..". وضرب مهاتير مثالا بمساعدة اليابان لماليزيا في التحول الصناعي حتى أصبحت 85% من صادراتها الحالية من القطاع الصناعي.
ثم قال:"ما الذي استفدناه نحن من النموذج الياباني في تطوير وتحديث القدرات الصناعية؟ هو أن عليك ألاَّ تتعلم كل شيء من الغرب بشكل كامل.. انسخ النوعية والجودة ولكن لا تقلد سياسة التسعير مثلا.. ولو تغربت اليابان كليا في سياساتها لما استطاعت أن تتنافس في السوق العالمية.. وبالحفاظ على إستراتيجية تسويقية يابانية فريدة استطاعت اليابان أن تصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم".
التغريب بداية التحطيم!: