محمد سليمان 9/12/1423
يخوض الفكر العربي اليوم مخاضا كبيرا في مواجهة التطورات الأخيرة في الساحة العربية، والتي تبلورت في الحملة الأمريكية على العراق، حيث يحاول هذا المقال رصد وتحديد عدة اتجاهات ومقاربات فكرية في التعامل مع الأزمة الحالية -من خلال معالمها التي تبدو في معمعة المخاض- وقراءة مقولاتها وأبرز أفكارها، دون وضع أي تقييم لها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه الاتجاهات ترتبط بالأزمة والتفاعل معها، ويقترن قوة وضعف كل منها بطبيعة التطورات والنتائج القادمة.
استهلال: جدل الفكر والواقع
تفرض التحولات التاريخية والأزمات الحضارية ظلالها على حركة الفكر وعلى إنتاجه، وكما قيل"المفكر ابن عصره وحضارته"، وقد شهد الفكر العربي في مسيرته الحديثة والمعاصرة عدة مخاضات فكرية نتجت عن متغيرات واقعية، وأنتجت اتجاهات فكرية متعددة اختلفت في رؤيتها وتحليلها للواقع، ومنهج التعامل معه، وكان لكل اتجاه منها أنصاره ومقولاته ورؤاه.
فقد شهد الفكر العربي في مواجهته لآثار ونتائج الحملة الفرنسية -التي كشفت عن حجم التأخر والتخلف في العلوم والفكر العربي- مخاضاً فكريا كبيرا أنتج توجهين أساسيين: الأول يدعو إلى الاستفادة مما وصلت إليه الحضارة الغربية في العلوم والثقافة، والثاني يصر على التراث وعلى رفض الإفادة من الغرب.
بينما أنتج هذا المخاض الفكر العربي في مواجهة الاستعمار عدة اتجاهات فكرية، أبرزها: الاتجاه التحريري؛ الذي يرى ضرورة الوقوف في وجه المستعمر ومحاربته وتغليب هذا الجانب على الجوانب الأخرى، بينما غلب على اتجاه فكري آخر جانب التأثر والانبهار بما وصلت إليه الحضارة الغربية والحداثة، فدعا إلى السير حذو الغرب وأدار ظهره للتراث والهوية، ودعا إلى الاستفادة من الاستعمار والتعايش معه، بينما الاتجاه الثالث والذي تمثل في المدرسة الإصلاحية؛ فقد نظر إلى الأمر من زاوية المسيرة الحضارية للأمة العربية والإسلامية، ودعا إلى تغليب جانب"المراجعة الحضارية"والهم التنموي والنهضوي، وكان واضحا اهتمام هذا الاتجاه بالقضايا التربوية والثقافية والاجتماعية على القضايا السياسية.
بينما تجلّى مخاض الفكر العربي في مرحلة الحرب الباردة والاستقلال، عن عدة اتجاهات فكرية انقسمت في أغلبها إلى اتجاهين: إسلامي وعلماني، وداخل كل اتجاه تفرّعت عدة اتجاهات معرفية وأيدلوجية، واستمر التناحر والتصادم بين هذه الاتجاهات على المستوى النظري وعلى المستوى الحركي ملقية بظلال كبيرة على الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي، إلى أن انتهت الحرب الباردة، وانهار الاتحاد السوفييتي، وضعف الاتجاه العلماني بشكل كبير لصالح الاتجاه الإسلامي، والذي شهد في مرحلة التسعينات ثورة حقيقية على مستوى الساحة الشعبية العربية.
وكملاحظة أولية: لا أجد أنّ الفكر العربي قد شهد مخاضات فكرية في فترة التسعينات كالتي تفاعل معها سابقا، بقدر ما تجادل مع عدة قضايا حيوية على المستوى النظري والحركي؛ الإسلام والديمقراطية، الحوار القومي-الإسلامي، حوار أم صدام الحضارات، نحن والعولمة،…. إلاّ أنّه ومع نهاية القرن العشرين، وحدوث عدة تطورات سياسية كبيرة: مثل تدهور العملية السلمية، تجدد الانتفاضة وبروز الظاهرة"الاستشهادية"بشكل كبير، وتقهقر جيش الكيان الصهيوني من جنوب لبنان، ثمّ أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها مما يسمى بالحرب على الإرهاب التي أعلنتها الولايات المتحدة في بناء عملية اصطفاف دولية حادّة بما يخدم مصالحها، وتبلورت هذه الحرب بشكل كبير في أفغانستان، وفي الملاحقات الدولية لخلايا"الإسلام المسلّح"، ثم الحملة الأمريكية الحالية على العراق، يبدو أننا أمام مخاض فكري كبير، بدأ يتبلور من خلال المناظرات والجدالات والرؤى في الساحة الفكرية والثقافية العربية.
بيد أننا وقبل الولوج إلى طبيعة هذا المخاض وتفاصيله الأولية، لا بد أن نلقي الضوء سريعا على طبيعة الحملة الأمريكية على العراق وأهدافها الحقيقية، وتداعياتها ونتائجها المتوقعة..
الحملة على العراق: الأهداف والنتائج:
من الواضح تماما أنّ تفاعل الفكر العربي اليوم مع الحملة الأمريكية على العراق ينبني على إدراك لأهداف وطبيعة الحملة، والتي يمكن إجمالها بالنقاط التالية:
1.القضاء على النظام العراقي الحالي، والسيطرة على المقدرات العراقية من الثروات الطبيعية، وإقامة حكومة عراقية موالية للولايات المتحدة تعمل على الحفاظ على مصالحها في المنطقة، بما في ذلك عقود النفط بما يخدم الشركات النفطية الأمريكية الكبرى. ويتضمن ذلك التخلص من الخطر العراقي المتمثل في الإمكانيات الكبرى التي يمتلكها العراق ولا تمتلكها أغلب الدول العربية -باستثناء الجزائر إلى درجة كبيرة- في الجمع بين: النفط والأرض والعقول البشرية والخبرة العلمية والموقع الاستراتيجي.