فهرس الكتاب

الصفحة 25873 من 27364

أيمن خالد

فلسطين تلك البقعة الصغيرة نسبياً من الكون، شهدت أرضها ما لم يشهده مكان في الكون من حوادث، وعبرت عليها إمبراطوريات العالم القديم كلها، ودارت فيها رحى حروب كثيرة تنافس فيها الفرسان على إبداء براعتهم، وحاول معظم الأباطرة أن يجدوا لهم فيها موطئاً، وفتحت أبوابها للمسلمين دون الغزاة، ثم فقدها المسلمون إبان الغزو الصليبي، ثم استردوها عندما استعاد المسلمون خيارهم الإسلامي، ثم فقدوها مجدداً عندما عبثوا بوحدة البلاد الإسلامية، لكنها تبقى بحق المكان الفريد الذي أعيد فيه ترتيب العالم كله مرات عديدة من خلاله.

أزمة في دار الإسلام:

انهيار الخلافة العباسية بدأ عملياً سنة 485هـ 1092م أي قبل ثلاث سنوات من انعقاد مجمع كليرمون الشهير، والذي أعلنت فيه الحروب الصليبية على الإسلام، وكانت الخلافة العباسية ممثلة آنذاك بالسلاجقة الذين بدأ تمزق دولتهم الفعلية بمقتل الوزير نظام الملك الذي أسندت إليه مهمة الحفاظ على الدولة من الداخل مدة ثلاثة عقود، وبمقتله نتيجة مؤامرة دخلت البلاد في حروب مريرة ذهب على إثرها كل أمير بإمارته، واشتعلت الحروب الداخلية بشكل لم يعرف له العرب مثيلاً، وامتدت الحروب لتطال بلاد الشام بأكملها، ناهيك عن العراق والأناضول، لكن الأثر الكبير سيكون بفعل تلك الحروب التي دارت رحاها في بلاد الشام، والتي ستستقبل عما قريب الغزاة الصليبيين، حتى إذا كانوا في جوار الدولة الإسلامية كان من الطبيعي أن يحدث انكسار كبير في الجبهة أمام حالة الإحباط التي تعيشها العامة؛ رافعة الأمة، والقوة المساندة التي تقف وراء الجيوش باستمرار.

فالحروب بين الإمارات على التوالي: دمشق وحلب، والموصل وغيرها وصولاً إلى ما جرى في «نصيبين» ، ونترك لابن القلانسي الشاهد الحي على تلك الحوادث ليقول: «ولما وصل تاج الدولة إلى نصيبين، وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها، وخرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له والمناصحة في الخدمة، فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب إبراهيم بن قريش، فقاتلها وهدم بعض سورها، وقتل كل من التجأ إلى جامعها ومساجدها، وأخذت الحرم، وهتكت البنات، وعوقبوا بأنواع العقوبات إلى أن اظهرن كل مذخور، وأبرزن كل مستور، وفعل في أمرهم ما لا يستحله مسلم ولا يستحسنه كافر» ، وكان هنا يتحدث عما فعله أمير دمشق آنذاك، ولكن التفاصيل هي أكثر مرارة، فسوف نجد أن معركة دارت على نهر الخابور قضى فيها عشرة آلاف رجل، وحدث فيها سلب ونهب وسبي داخل دار الإسلام، لكن أكثر ما بالأمر من مرارة أن بعض الأمراء تجاوزوا الذبح والسبي إلى مسألة جديدة وهي الاعتداء على الحجيج، مما أدى إلى تعطل هذه الشعيرة فترة من الزمن بالتالي، ما ذكره في هذا الجانب ليس سرداً تاريخياً، ولكن صورة من حالة البؤس الذي كلله انهيار الخلافة العباسية، ومدى انعكاس ذلك على أرض الواقع.

إن نظرة تحليلية على تلك الحوادث تشير إلى أن الإسلام كان الغائب الأكبر، فليست هي أخلاق المسلمين، وليست هي قواعد العمل الإسلامي المعروفة، بل إنها صورة عن مجتمع جاهلي لا يمت إلى الإسلام بصلة، وإذا أردنا أن نتفحص النصوص بشكل أدق، ونقف على تلك الحوادث؛ سنجد أن البلاد الإسلامية كانت تحتكم إلى منهجية سياسية غاب فيها الدين، واختفى وجه العلماء الذين بهم تتقدم الأمة، وسوف نجد أن كثيراً منهم كانوا آنذاك في بيت المقدس، وقد ذبحوا حينما دخلها الصليبيون مع سبعين ألف من أهل المدينة، بالتالي لم يكن الدين الإسلامي هو الوجهة التي تحتكم إليها الأمة، ولم تكن هناك حتى دولة واحدة بإطار سياسي معين لحظة قدوم الصليبيين، إنما ما كانت هناك هي مجموعة من الإمارات التي تتنازع فيما بينها، بحيث باتت الإمارة الإسلامية عبارة عن مدينة واحدة أحياناً، تماماً على طريقة الممالك القديمة في العهدين الفينيقي والكنعاني، وحدث أن افتدت بعض الإمارات الإسلامية نفسها ببيت المقدس التي سهلت دخول الصليبيين إليها، دون أن تدرك تلك الإمارات أن دخول الغزاة إلى هذه المدينة المقدسة سوف يؤدي إلى شلّ الأمة، ومنعها من التقدم إلى الإمام.

إن الحروب الصليبية قد أدت إلى تراجع في مشروع الأمة الإسلامية، وأدت إلى انحسار قوة الإسلام وتأثيره ليس مئتي سنة فحسب من عمر تلك الحروب، بل إننا نعيش اليوم آثار تلك الحروب، وآثار ذلك التراجع الخطير الذي أرسى صورة باتت تتكرر مع المشروع الصهيوني الشبيه في الكثير من الأوجه بالمشروع الصليبي، بوصفه نتاج أوروبا ذاتها، وعقليتها الدينية المتعصبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت