* د. حسن حنفي
وتعني العولمة (التبادلية) ذات الاتجاهين، العولمة المزدوجة، تأخذ وتعطي، تؤثر وتتأثر. فكما أخذت الثقافة العربية الإسلامية من الحضارات المجاورة خاصة اللغة أعطت معاني وتصورات اكمل ومن منظور أوسع، الفرد والجماعة، العقل والقلب، النظر والعمل، المعرفة والأخلاق، الدنيا والآخرة. واستمر ذلك من نشأة الحضارة الإسلامية إلي نهايتها عندما بدأ الغرب اللاتيني في العصر الوسيط المتأخر يترجم منها. فإذا كانت الترجمة الأولي من الآخر إلي الأنا بفضل النصاري العرب فإن الترجمة الثانية من الأنا إلي الآخر بفضل اليهود العرب والنصاري الآتين خاصة من الأندلس، في غرناطة وأشبيلية وقرطبة وطليطلة. وكما أسس المأمون ديوان الحكمة أولاً أسس أسقف طليطلة الأسقف ريموندو ديواناً للترجمة. فقد ظلت اللغة العربية لغة الحياة اليومية فيها علي مدي قرنين من الزمان بعد سقوطها.
كما تمت الترجمة أيضاً عبر صقلية وجنوب إيطاليا غرباً وبيزنطة شرقاً. وقد ظلت اللغة العربية لغة العلم والتأليف كما كان الحال في بلاط فردريك الثاني. وكانت البعثات تُرسل من الشمال إلي الجنوب، ومن الغرب إلي الشرق. وكانت الأسئلة الفلسفية التي تؤرق الأباطرة لا يجدون الإجابات عنها إلا عند المسلمين مثل (المسائل الصقلية لابن سبعين) .
وكما تمت الترجمة الأولي من اليونانية إلي العربية لصالح المتلقي بالحذف والإضافة لتوسيع المنظور اليوناني المغلق إلي منظور إسلامي مفتوح بضم إمكانيات أوسع كذلك تمت الترجمة الثانية من العربية إلي اللاتينية مع الحذف، حذف كل العبارات الدينية وأسماء الجلالة التي عدها المترجم أقرب إلي الدين منها إلي العلم. فبدأ العلم ينغلق علي نفسه من جراء الفصل بين الدين والعلم، بناء علي التجربة الغربية مع الكنيسة. فبدأت تظهر أزمة العلم بعد انتصاره وبعد التمييز بين حكم الواقع وحكم القيمة، مع أن الواقع قيمة، والقيمة واقع.
وظهر لأول مرة في الفلسفة المدرسية اللاهوت العقلاني عند الجدليين في فرنسا في القرن الحادي عشر في صراعهم ضد اللاهوتيين. الفريق الأول يعتمد علي الجدل العقلي البرهاني عند انسليم لإيجاد البراهين العقلية علي وجود الله وخلود النفس. وانقلب النموذج من (أؤمن كي أعقل) عند أغسطين إلي (أعقل كي أؤمن) بعد أن كان التناقض أساس الإيمان منذ ترتليان والذي رد إليه كيركجارد اعتباره في القرن التاسع عشر. وازدهر عند ابيلار في القرن الثاني عشر التيار العقلاني حتي أنه تم تحكيم العقل في النص في كتابه الشهير (نعم ولا) لإثبات تناقض أقوال آباء الكنيسة. وكان المسلم نموذج الفيلسوف في كتابه الآخر (حوار بين يهودي ومسيحي وفيلسوف) . واستمر الحال كذلك عند توما الاكويني في الاعتماد علي العقل الطبيعي لإثبات حقائق الدين، وجود الله وخلق العالم وخلود النفس. وبلغ العقل الذروة مرة أخري عند الرشديين اللاتين، سيجر البرابنتي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، يؤكدون وحدة الوحي والعقل والطبيعة، هذا النموذج الاسلامي الذي كان وراء قيام العلوم الرياضية والطبيعية في العالم الاسلامي. واستمر العلم الاسلامي نموذجاً للعلم المدرسي عند دنزسكوت ووليم أوكام قبيل العصور الحديثة بعد أن ترجمت الأعمال الرياضية والطبيعية (الكندي) ، والكيمياء (جابر بن حيان) ، والهندسة والضوء (الحسن بن الهيثم) ، والجبر (الخوارزمي) ، والفلك (البيروني) . ونقلت تكنولوجيا الري (عجلات الري) والحرب (المنجنيق) والاتصالات (البوصلة) . كما نترجم نحن الآن العلم الغربي وتقنياته.
واستمر النموذج الاسلامي قبيل العصور الحديثة، في الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر عند مارتن لوثر الذي تعلم العربية لمعرفة كيف استطاع الإسلام أن يحل معضلات الكاثوليكية. فجاءت البروتستانتية علي النموذج الاسلامي ومبادئه: الكتاب وحده، حرية التفسير، رفض التوسط بين الإنسان الله، أولوية الإيمان القلبي علي الشعائر الخارجية، الدين للوطن. ثم استمر في عصر النهضة في القرن السادس في معركة القدماء والمحدثين وانتصار المحدثين علي القدماء باسم التطور والتغير والزمن والتاريخ، والتحول من التمركز حول الله إلي التمركز حول الإنسان، ومن النفس إلي البدن فتم اكتشاف الدورة الدموية، ومن التمركز حول الأرض إلي التمركز حول الشمس في علم الفلك الجديد، وفي التحول من النص إلي الواقع، ومن الكتاب المغلق، الكتاب المقدس، إلي كتاب الطبيعة المفتوح. العقل مصدر العلم الرياضي، والطبيعة مصدر العلم الطبيعي، والعقد الاجتماعي مصدر السلطة في المجتمع، والمجتمع المدني البديل عن الكنيسة.