نصر شمالي
يتلخص الهم الأميركي الرئيس في منطقتنا اليوم بتحقيق انتصار ميداني ضدّ المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، وأيضاً في أفغانستان، والانتصار المؤمل لا يطمع في اجتثاث هذه المقاومة من جذورها، بل في مجرّد الإخلال بالتوازن الحربي على الساحة العراقية، الذي شكّل انتصاراً هائلاً للمقاومة عبّر عن نفسه بتعطيل البرامج الأميركية الحقيقية سواء في العراق أم في المنطقة عموماً، فبفضل فعالية المقاومة العراقية توقف الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، مؤقتاً بالطبع، وتركّز الجهد على تهدئة الجبهة الفلسطينية وإشغالها بالانسحاب من غزة، وتجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها بحجة عدم ضرورته وتناقضه مع السيادة، والاستماتة في تشكيل قوات عسكرية وأمنية عراقية قادرة على حمل أعباء مواجهة المقاومة نيابة عن القوات الأميركية، وإنه لمفهوم الترابط بين جبهات المقاومة العربية الثلاث، مضافاً إليها الجبهة الأفغانية، سواء من وجهة نظر المقاومة أم من وجهة نظر المحتلين الأميركيين والإسرائيليين.
المشروع وعقبة المقاومة الكأداء!
لقد وقع مشروع الشرق الأوسط الكبير في مأزق كبير، فهو عرضة لعصف الرياح إن لم يكن عرضة للانهيار، ولكي ندرك خطورة وأهمية ما استجّد على الساحة العربية، خاصة العراقية، تتوجب العودة إلى عام 2003، وإلى الخطاب الشهير للرئيس بوش، حيث شرح مشروعه داعياً إلى إدخال إصلاحات جذرية في أوضاع الدول العربية تشمل قطاع التعليم الذي يجب أن يخلو من كل ما يحرّض على المقاومة ويدعو إلى التمسك بالعروبة والإسلام والوحدة! وتشمل قطاع الاقتصاد الذي تتوجب خصخصته ودمجه في اقتصاد السوق الدولية! وتشمل المجتمع المدني الذي ينبغي أن يرتبط بالهيئات الدولية الفرانكفونية والأنكلوسكسونية وأن ينشغل بشؤونه اليومية الراهنة، من دون الالتفات إلى أية أهداف أخرى تتعلق بالتحرير والنهضة القومية والوحدة العربية! وتشمل إطلاق حرية المرأة على غرار المرأة التي نشاهدها في المسلسلات التلفزيونية الأميركية والمتأمركة! وتشمل تنظيم انتخابات برلمانية شكلية سطحية، بلا عمق ولا مضمون! وتشمل إطلاق حرية الرأي والصحافة..الخ، حيث تقتصر مثل هذه الحرية على مجرّد الكلام والكلام! ولقد كان الأميركيون يتوقعون الانطلاق بالراحة في مشروعهم الكبير الذي سوف يفضي قطعاً إلى تفريغ الأمة والمنطقة من كل فعالية إنسانية تحررية، ويحوّلهما إلى شذرات وشظايا، وإلى فراغ يملؤه المرتزقة الصهاينة من اليهود وغير اليهود لخدمة المصالح الأميركية، غير أن العقبة العراقية الكأداء المفاجئة عطلت هذا التوجه بمجمله، وراحت الإدارة الأميركية تتململ موجهة اللوم إلى سورية، ومحملة مسؤولية تلكؤ برنامجها لمن وصفتهم بالأجانب الذين تسمح لهم سورية بعبور الحدود إلى ميادين القتال!
لغة منمّقة، لكنها مفضوحة!
بعد تجربة البلقان الناجحة، وبعد الاحتلال السهل لأفغانستان، كان الأميركيون يعتقدون أن الطرق جميعها أصبحت ممهدّة لإقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير، وما كان ليخطر في بالهم أن العراق، بعد إثني عشر عاماً من الحصار المحكم المدمّر، سوف يبدي أية مقاومة تستحق الذكر! وكانت صحيفة واشنطن بوست قد كشفت مبكراً، في افتتاحيتها بتاريخ 30 /12/2002، أن إدارة بوش (وهي تقترب من لحظة احتلال العراق) تبالغ في استخدام لغة منمقة عن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث القادة الأميركيون يتبارون في إلقاء الخطب بهذا الصدد، فتحدث كولن باول وزير الخارجية عن مبادرة أميركية لتطبيق الديمقراطية في البلاد العربية، وحملت تلك المبادرة عنوان:"مبادرة الشراكة الأميركية الشرق أوسطية"، وجاءت مبادرة بوش تكراراً لها وإعلاناً عن بدء تنفيذها، رافضة التدرج في الإصلاحات ومنتقدة العقود الستة الماضية التي لم يتحقق خلالها أي تقدّم ملحوظ، وداعية إلى التنفيذ والتغيير بسرعة وفوراً، غير آبهة لتحذيرات واعتراضات الحلفاء الغربيين! لقد كانت الإدارة الأميركية مطمئنة تماماً إلى خلوّ طريق مشروعها من أية عقبة جدّية، إلى الحدّ الذي جعلها تقرّر الانفراد بعائدات المشروع الخرافية واستبعاد شركائها وحلفائها!
هاس يذيع الأهداف الحقيقية!