كيف يرى العقل الغربي الثقافة العربية ؟
محمد الدعمي
يبدو للمتابع أن المنطلق الأساس لثقافة العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية الزائلة كان يرتكز على الاعتقاد السائد بأن الثقافة العربية، بضمن الثقافات الشرقية عامة، إنما هي ثقافة ضعيفة غير مبنية على أسس تجريبية موضوعية وعلمية.وقد أدى كتاب (ألف ليلة وليلة) دورًا سلبيًا في تأسيس هذه الآراء وترسيخها، بالرغم من شيوع هذا العمل التراثي وبرغم الإعجاب الشديد الذي حظي به في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية منذ نهايات القرن الثامن عشر.لقد ساد الاعتقاد، بسبب طبيعة الصور التي عكسها هذا الكتاب (الليالي العربية، كما يفضلون تسميته) إلى حد كبير، في أن المجتمع العربي إنما هو مجتمع مؤسس على الخيال والخرافة، السحر والشعوذة، مجتمع يمور بسلاطين طغاة وأفراد قدريين من نمط علاء الدين وسندباد والشاطر حسن.
لاشك في أن خلاصات الثقافة الغربية حول ثقافة مجتمع من هذا النوع تكون خلاصات تركز على أن العقل العربي هو عقل غيبي، عقل ينزع إلى اللاعلمية وإلى أفكار «النصيب» والتنجيم والقدرية. وبكلمات أخرى، فرضت (الليالي العربية) على الذهنية الغربية تصورًا يصعب استئصاله يفيد بأن الثقافة العربية إنما هي ثقافة لا علمية غير قادرة على العقلنة والتمنطق الجدلي شأنها في ذلك شأن جميع ثقافات الأقوام السامية. وقد عبّر المستشرق الكبير «إرنست رينان» r enan و «الكونت غوبينو» Count Gobineau وغيرهما من أتباع ومروجي «الأسطورة الآرية» عن ذلك بوضوح عبر العديد من مداخلاتهما، واضعين بذلك حجر الأساس للفكر النازي، ربما على نحو غير واع. لقد عكس «غوته» Goethe مكافئًا لهذا الاعتقاد بتعميمه التحجيمي أن «ممتلكات العرب هي الخيمة والعمامة والسيف» ، في اختزال مخل للحضارة العربية. وقد اقتبس الكاتب الإنكليزي «جيمس ميو» هذه المقولة التحجيمية على سبيل «خدمة» الثقافة العربية بإضافة «ممتلك» آخر لثالوث غوته أعلاه، وهو «الحكاية» . ولا يبتعد أبو الاستشراق الأمريكي «رالف والدو إمرسون» عن هذه الأفكار عندما يعلن أن «الدين والشعر هما كامل حضارة العرب» . وإذ يذهب مفكر مثل ميو إلى أن الخرافات والخيال قد حولت أرض العرب إلى «ِجنّستان» (أي أرض الجن) ، فإنه لمن المؤسف حقًا أن نلاحظ تواصل هذا الاعتقاد في عصرنا الحالي. لاحظ التصاق كبار المستشرقين المعاصرين بهذه المفاهيم المنمطة، مثل «برنارد لويس» و «هولت» ، وهم مستشرقون جامعيون بسطوا سطوتهم الفكرية عبر الأكاديمية وليس الصحافة.
وقد آل هذا الاعتقاد الوراثي الراسخ إلى التمادي في التشويه المتعمد للتراث الثقافي العربي والإسلامي عن طريق تسفيه هذا التراث واختلاق المبررات لإهماله وللإقلال من شأنه من قبل الإدارات الاستعمارية الطارئة، ومن ثم من قبل العرب أنفسهم بعد انحسار موجة الاستعمار العسكري المباشر لصالح حركة الاستعمار الاقتصادي الجديد. وبرغم هذا ينبغي الرجوع إلى إرث حركة الاستعمار المباشر، تتبعًا لجدل الهيمنة الثقافية التي أرادت الإمبراطوريات فرضها على العرب. يقول «اللورد ماكولي» ، في خطابه الافتتاحي في كلية غلاسكو (21 آذار/مارس 1849م) : «لقد تم تأسيس جمعيتكم هذه قبيل اضمحلال إمبراطورية الشرق (يقصد دولة الخلافة العربية) بقليل، تلك الإمبراطورية التي - وهي تديم حياةً ضئيلة عبر العصر المظلم - واشجت بين عصري الاستنارة العظيمين... وحافظت - في وسط البربرية - على تلك الأعمال العظمى للعبقرية الأوروبية، تلك الأعمال التي لم تزل موضع تأمل أسمى العقول» ، مختزلًا دور الثقافة العربية الإسلامية بعملية المحافظة على الثقافة الأوروبية دون الإضافة الإبداعية عليها، بطريقة تعسفية.
وتأخذ عملية الغزو الذي شن على التراث الثقافي الإسلامي أوضح معالمها في خطابات اللورد ماكولي الذي كان موظفًا بالإدارة الإمبراطورية في الهند. ولكن على الرغم من أن أحاديث من هذا النوع تعكس لنا ما كان يدور في خلد الإدارات الإمبراطورية في تناولها للمواضيع الثقافية والتربوية، فإن هذه المرآة تعكس لنا كذلك منطقًا وخطابًا يستخدمهما الإداريون في مخاطبة أبناء الأمم المغلوبة على سبيل هز ثقة هؤلاء بإرثهم الثقافي وتثبيط هممهم واحترامهم لتراثهم. وليس من شك بأن هذه العملية إنما تهدف إلى إزالة التواصل بين الإنسان المغلوب المعاصر وثقافته التي تدعم حلمه الوطني بالتحرر أو بالوحدة، حيث تترافق هذه العملية بتقديم «بديل ثقافي» ليحل محل الثقافة المحلية. وقد تمتد هذه العملية إلى محاولات إلغاء الثقة، ليس بالعلوم المكتوبة باللغة العربية، بل بهذه اللغة نفسها. لهذا يدعو ماكولي إلى تكوين وتنمية نخبة من سكان البلاد المستعمرة، وهي نخبة تتلقى ثقافة غربية لتبرير طرائق التاج البريطاني لسكان المستعمرات، زيادة على تيسيرها الانزلاق نحو ثقافة «الآخر» بتعام.