فهرس الكتاب

الصفحة 6506 من 27364

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4969)

عصام بن عبد الله السناني

عنيزة

جامع قرطبة

الخطبة الأولى

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالةٍ فِي الَّنارِ.

أيها المسلمون، إن الله جل وعلا سيحشرُ الناسَ جميعًا من قبورِهم بعدَ البعثِ إلى الموقفِ حفاةً عراةً غرلاً، كما بدأَ أولَ خلقٍ يعيدُه، وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. يجمع الناسَ في عرصاتِ القيامةِ أولهَم وآخرَهم على صعيدٍ واحدٍ، فيموجُ بعضُهم في بعضٍ، وتدنو الشمسُ منهم حتى تكونَ كمقدارِ ميلٍ، فيبلغُ الناسُ من الكربِ والغمِ ما لا يطيقونَ ولا يحتملونَ، فمنهم من يبلغُ به العرقُ إلى كعبيه، ومنهم من إلى ركبتيه، ومنهم من إلى حَقْوَيْه، ومنهم من يلجمُه العرقُ إلجامًا، فالناسُ حينئذ أحوجَ ما يكونونَ إلى ما يروونَ به عطشهم في هذا المحشرِ المهولِ؛ ولذا يتطلعون إلى ورودِ حوضِ نبيِهم كما روى مسلم قالَ رسولُ اللهِ: (( أنزلتْ علي آنفًا سورةٌ ) )فقرأَ: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [سورة الكوثر] ، ثم قالَ: (( أتدرونَ ما الكوثرُ؟ إنه نهرٌ وعدنيه ربي عز وجل، عليه خيرٌ كثيرٌ وحوضٌ تردُ عليه أمتي يومَ القيامةِ، آنيتُه عددَ النجومِ ) )، وفي لفظ آخر: (( يشخبُ فيه ميزابانِ من الجنةِ، من شربَ منه لمْ يظمأْ، عرضُه مثلُ طولِه: ما بَينَ عُمَان إِلى أَيْلَةَ، ماؤُه أشدُ بياضًا منْ اللبنِ وأحلى من العسلِ ) ).

إن هذَا الحوضَ المورودَ لَنْ يهنأَ بِهِ إلاَّ الثَّابتونَ عَلى دينهمْ عقيدةً وعملاً، القابضونَ على الجمرِ لأجلِه، العاضّون عليه بنواجذهم فِي أوقاتِ الفتنِ، وهمْ يسألونَ اللهَ فِي كلِّ وقتٍ الثّباتَ لعلمِهم أن هناكَ أمرا مهولا يقضُ مضاجعهمْ خوفًا من أن يكونوا في عدادِ الواقعينَ فيه، ألا وهو ما يحصلُ لأناسٍ يومَ القيامةِ حين يبدو لهم من اللهِ ما لم يكونوا يحتسبونَ، إنهم أناسٌ ـ أعاذني اللهُ وإياكم من حالِهم ـ يطمعونَ في ورود حوض نبيهِم، فإذا هم يذادونَ عنه ويُحرمونَ الشربَ من هذا الحوضِ في أشدِّ وقتٍ يحتاجونَ إليه، ففي البخاريِّ أن رسولَ اللهِ قَالَ: (( إني على الحوضِ، حتى أنظرَ من يردُ عليَّ منكم، وسيؤخذُ ناسٌ دوني، فأقولُ: يا ربِّ، مني ومن أمتي، فيقالُ: هل شعرتَ ما عملوا بعدَك؟ واللهِ ما برحوا يرجعونَ على أعقابِهم ) )، وكانَ ابنُ أبي مليكةَ راوي الحديثِ يقولُ: اللهم إنا نعوذُ بكَ أنْ نرجعَ على أعقابِنا أو نفتنَ في ديِننا. قال ابن عبد البر في التمهيد:"وكلُ من أحدثَ في الدينِ ما لا يرضاه اللهُ ولم يأذنْ به اللهُ فهو من المطرودينَ عنْ الحوضِ المبعدينَ عنه، واللهُ أعلم. وأشدُّهم طردًا من خالفَ جماعةَ المسلمينَ وفارقَ سبيلَهم مثلُ الخوارجِ على اختلافِ فرقِها والروافضِ على تباينِ ضلالِها والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائِها، فهؤلاء كلُهم يبدلونَ، وكذلكَ الظلمةُ المسرفونَ في الجورِ والظلمِ وتطميسِ الحقِ وقتلِ أهلِه وإذلالهِم، والمعلنونَ بالكبائرِ المستخفّونَ بالمعاصي، وجميعِ أهلِ الزيغِ والأهواءِ والبدعِ، كلُ هؤلاءِ يُخافُ عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبرِ"اهـ.

عباد الله، هل عقل هذا المصيرَ بعضُ المعتزلةِ الجددِ منْ أَصحابِ الأقلامِ الصحفيةِ في مثلِ هذه الأيامِ والتي تدّعي الحرصَ على الوطنِ وهي تهدمُ الأُسسَ الراسخةَ التي قامَ عليها هذا الوطنُ والتي جاهد في سبيلها الآباء وقبلهم الأجداد حتى ماتوا، ونشأ عليها الأبناء وبعدهم الأحفاد، إنها فتنةُ بعضِ الأقلامِ التي اندلعتْ نارُها وارتفعَ أُوارُها، ما فتئتْ تسخرُ وتتلاعبُ بثوابتِ الدينِ والحكمِ وخيارِ الأمةِ كما يتلاعبُ الصبيانُ بالكرةِ، أأمةٌ يَرسمُ لها أراذلُها وجهالهُا ما ينبغي أن تفعلَ بعدَ هذه القرونِ المتطاولةِ التي نَعِمَ فيها أهلُ هذه البلادِ بصفاءِ العقيدةِ ووحدةِ المنهجِ وائتلافِ القلوبِ مع الأخذِ بما ينفعُ من مظاهرِ الحياةِ المدنيةِ؟!

ومن يكن الغرابُ له دليلاً…يمرُ به على جيفِ الكلابِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت