ولذا ثبت أن النبي تبرأ من بعض المؤمنين من أهل المعاصي، فقد تبرأ من الصالقة التي ترفع صوتها بالبكاء عند المصيبة، والحالقة التي تحلق رأسها عندها، والشاقة التي تشق ثيابها عندها، ولكن ليست هذه البراءة كبراءته الواردة في قول الله تعالى: وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة:3] .
ولما أمر الله بقتال الفئة الباغية ـ وهذا من معاني ومظاهر البراء من المعصية وأهلها ـ بقوله: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:9، 10] ، فأمر بقتالهم وأثبت أخوتهم وإيمانهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وليعلم أنَّ المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا؛ كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة" (3) [3] .
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من أقبح الآثام أن يضع المؤمن يده على يد الأحزاب العلمانية والحركات اليسارية، وقد دلت كثير من آي القرآن الكريم على تحريم ذلك وتجريم أهله، فمن ذلك قوله تعالى: وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] . وكل من وقف على دعوات هؤلاء ومبادئهم لا يشك في أن التعاون معهم تعاون على الإثم والعدوان.
ومن أدلة التحريم جميع الأدلة التي تنادي بعقيدة البراء من الكفر وأهله، ومنها: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140] ، فالآية تحرم الجلوس في المكان الذي يُكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وإذا لم تكن مجالس الأحزاب العلمانية مُتناوَلة بهذه الآية فأي المجالس هي التي حُذرنا منها؟! والآية المُشار إليها في هذه الآية هي: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68] .
وقد توعد رسول الله كل من ظاهر مبطلاً بقوله: (( من أعان ظالمًا ليدحض بباطله حقًا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ) )رواه الحاكم والطبراني وصححه الألباني. وممن لعنهم النبي من آوى محدثًا كما في صحيح مسلم، فكيف بمن عاونه؟!
هذا، ولا يُغتر بطرحهم لبعض البرامج التثقيفية أو الإنسانية الخيرية أو غير ذلك مما يصدق عليه: باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب؛ لأنهم يريدون بها التدليس والتلبيس على الناس.
نسأل الله أن يبرم لنا أمرًا رشدًا يُعز فيه الطائعون...
(1) كتاب الإيمان (ص14) .
(2) جامع البيان (3/228) .
(3) مجموع الفتاوى (28/209) .